إبراهيم المدني.. رحيل مؤذن المسجد الحرام الذي بكى في أول أذان له

رحل الشيخ إبراهيم بن عادل المدني, مؤذن المسجد الحرام وأحد الأصوات المرتبطة بمكبرية الحرم المكي, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026, بعد سنوات قضاها في رفع الأذان والتبليغ خلف أئمة المسجد الحرام, لتعيد وفاته إلى الواجهة تسجيلات وقصصًا من مسيرته, بينها لحظة أول أذان له في الحرم, عندما غلبته دموعه وهو ينظر إلى الطائفين حول الكعبة المشرفة.

ونشرت صحف سعودية عدة خبر وفاة إبراهيم المدني صباح الاثنين, مشيرة إلى حالة واسعة من الحزن بين المهتمين بشؤون الحرمين, مع إعادة تداول مقاطع للأذان والتكبير والتبليغ بصوته خلال السنوات الماضية.

 

من هو إبراهيم المدني؟

الاسم الذي يظهر في السجلات الرسمية لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي هو الشيخ إبراهيم بن عادل المدني, وظل مدرجًا ضمن مؤذني المسجد الحرام في الصفحة الرسمية الخاصة بالمؤذنين.

وبدأت مرحلة بارزة في مسيرته خلال مايو 2018, عندما صدر قرار بتعيين أربعة مؤذنين جدد للمسجد الحرام بالتزامن مع الاستعداد لشهر رمضان في ذلك العام, وكان إبراهيم المدني واحدًا منهم إلى جانب عبدالله باعفيف وتركي الحسني ومحمد العمري.

الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي آنذاك الشيخ عبدالرحمن السديس وجّه بانضمام المؤذنين الأربعة إلى جداول المكبرية خلال شهر رمضان, ليبدأ المدني من تلك اللحظة رحلة امتدت لنحو ثماني سنوات داخل واحد من أكثر المواقع الدينية حضورًا واستماعًا في العالم الإسلامي.

download 1

 

أول أذان.. اللحظة التي لم يتمالك فيها دموعه

ترتبط واحدة من أشهر القصص في أرشيف إبراهيم المدني بأول مرة ارتفع فيها صوته بالأذان من المسجد الحرام.

وتوثق تسجيلات أرشيفية أن أول أذان له في الحرم كان أذان الفجر الأول يوم الثلاثاء 6 رمضان 1439هـ, بعد أيام قليلة من الإعلان عن تعيينه. ويحمل أحد التسجيلات المحفوظة للأذان وصفًا صريحًا بأنه «أول أذان للمؤذن إبراهيم المدني بالمسجد الحرام».

لكن القصة لم تتوقف عند التسجيل الصوتي.

ففي حديث أعادت الصحف السعودية التذكير به عقب وفاته, روى المدني مشاعره أثناء تجربته الأولى داخل المكبرية. كان ينظر من مكانه إلى الطائفين والمصلين في المسجد الحرام, ويدرك أن صوته أصبح في تلك اللحظة هو الصوت الذي يسمعه الآلاف داخل الحرم وملايين آخرون عبر البث المباشر.

وقال متأثرًا وهو يستعيد المشهد: «من أنا حتى يرتفع صوتي في هذا المكان الطاهر؟».

وكشف أنه بكى في تلك اللحظة, في قصة أصبحت بعد رحيله واحدة من أكثر المقاطع ارتباطًا باسمه ومسيرته.

من داخل المكبرية.. ماذا كان يفعل إبراهيم المدني؟

عمل إبراهيم المدني عضوًا في منظومة «المكبرية» بالمسجد الحرام, وهي المكان المخصص للمؤذنين والمكبرين والمطل على صحن المطاف.

ولا تقتصر مهمة الموجود في المكبرية على رفع الأذان فقط, بل تشمل أيضًا «التبليغ» خلف الإمام, أي نقل التكبيرات والانتقالات أثناء الصلاة بصوت مسموع للمصلين, إضافة إلى المهام المرتبطة بالصلوات والجنازات وتنظيم الأدوار بين المؤذنين.

وتشير وكالة الأنباء السعودية في تقرير أرشيفي عن المكبرية إلى أن منظومة الأذان في المسجد الحرام كانت تضم 24 مؤذنًا يتناوبون وفق جدول منظم, وأن المؤذن يحضر عادة قبل موعد الأذان بوقت كافٍ استعدادًا لمهمته.

أما غرفة المكبرية نفسها فتمثل نقطة تشغيل شديدة الحساسية داخل الحرم, حيث ترتبط بمنظومة صوتية وشاشات لمتابعة الإمام والمصلين, وساعات لضبط المواقيت, وتجهيزات احتياطية لضمان استمرار الصوت وعدم انقطاعه.

ومن هنا لم يكن صوت إبراهيم المدني مجرد تسجيل للأذان, وإنما كان جزءًا من نظام يومي شديد الدقة تتداخل فيه المواعيد والصوت والإمامة وحركة عشرات الآلاف من المصلين.

maxresdefault 1

24 صوتًا للحرم.. وإبراهيم المدني بينهم

في أبريل 2020, نشرت صحيفة «مكة» تقريرًا موسعًا عن مؤذني المسجد الحرام ونظام العمل داخل المكبرية, وظهر اسم إبراهيم المدني ضمن قائمة المؤذنين الذين يتناوبون على رفع الأذان في الحرم.

وجاء التقرير في فترة استثنائية شهد فيها العالم تداعيات جائحة كورونا, بينما استمر نظام الأذان في الحرم وفق ترتيبات وجداول منظمة للمؤذنين. وكان إدراج اسم المدني في تلك القائمة توثيقًا مبكرًا لاستمرار حضوره بعد نحو عامين من تعيينه.

وأصبحت هذه الجداول بمرور السنوات بمثابة سجل زمني لمسيرته, إذ كان اسم كل مؤذن يظهر أمام الصلاة المكلف بها, من الفجر الأول والثاني إلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

قصة من خارج المسجد الحرام.. الجهني يؤم والمدني يؤذن

ومن القصص الأرشيفية المرتبطة بإبراهيم المدني واقعة تعود إلى سبتمبر 2019.

فخلال افتتاح جامع الشيخ إبراهيم بن عبدالغني ميرة في حي الشرائع بمكة المكرمة, تولى إبراهيم بن عادل المدني رفع أذان صلاة العشاء, بينما أمّ المصلين الشيخ عبدالله عواد الجهني, إمام وخطيب المسجد الحرام.

وشهد الافتتاح حضور عدد من المشايخ وأهالي مكة, في واحدة من المناسبات التي ظهر فيها المدني خارج إطار جدول الأذان المعتاد داخل المسجد الحرام.

وتكتسب الواقعة أهميتها أرشيفيًا من اجتماع صوت مؤذن الحرم مع أحد أئمته في مسجد آخر بمكة, بعد فترة قصيرة نسبيًا من بدء المدني مهمته الرسمية في الحرم.

صوت الفجر ظل علامة بارزة في مسيرته

ارتبط اسم إبراهيم المدني بصورة خاصة بأذان الفجر, وبالأخص الفجر الأول, وهو ما يظهر في عدد كبير من التسجيلات والجداول المنشورة خلال سنوات عمله.

وفي 31 ديسمبر 2024, نشرت القناة الرسمية المعنية بشؤون الأئمة والمؤذنين تسجيلًا لأذان الفجر الأول من المسجد الحرام بصوت إبراهيم المدني, ليضاف التسجيل إلى الأرشيف المرئي لمسيرته.

وفي رمضان 1446هـ, وتحديدًا في مارس 2025, ظهر صوته كذلك في تسجيل رسمي لأذان صلاة العصر من المسجد الحرام.

وتكشف هذه التسجيلات أن نشاطه لم يرتبط بوقت واحد من الصلوات, رغم الحضور اللافت لصوته في أذان الفجر, إذ شارك على مدار السنوات في أوقات مختلفة وفق جداول المكبرية.

المدني بين المدرسة المكية والمدرسة المدنية في الأذان

ومن الجوانب التي تحدث عنها إبراهيم المدني في لقاءاته الفروق بين طرائق أداء الأذان في مكة والمدينة.

وأعادت الصحف السعودية عقب وفاته الإشارة إلى حديث سابق له عن «المدرسة المكية» و«المدرسة المدنية» في الأذان, وكيف يمتلك كل منهما طابعًا وأسلوبًا صوتيًا متوارثًا.

وكان هذا الجانب يكشف اهتمامه بالأذان باعتباره فن أداء دينيًا له قواعد ومقامات وأساليب متوارثة, وليس مجرد رفع للصوت بالنداء إلى الصلاة.

وفي الوقت نفسه, تظل كثير من التفاصيل الشخصية الخاصة بتكوينه الأول وحياته قبل دخوله مكبرية المسجد الحرام محدودة في المصادر السعودية الرسمية المتاحة, بينما تتداول بعض المواقع معلومات غير موثقة عن بداياته. لذلك يصعب اعتماد أي تفاصيل حول مولده أو حياته العائلية أو عمله قبل عام 2018 دون مصدر مباشر.

sddefault 1

اسمه حاضر في جداول الحرم حتى الأسابيع الأخيرة

واحدة من أهم النقاط في تتبع الأيام الأخيرة من مسيرة إبراهيم المدني تأتي من جداول المؤذنين المنشورة رسميًا.

ففي جدول رسمي خلال أغسطس 2026, أي قبل وفاته بفترة وجيزة, ظهر اسم إبراهيم بن عادل المدني ضمن المكلفين بالأذان في المسجد الحرام.

وفي جدول 15 أغسطس ظهر مكلفًا بصلاتي العصر والمغرب, كما ظهر اسمه في جدول منشور بتاريخ 24 أغسطس أمام أذان الفجر الأول.

والأهم أن جدولًا رسميًا آخر منشورًا بتاريخ 29 أغسطس 2026, الموافق 15 ربيع الأول 1448هـ, تضمّن اسم إبراهيم المدني ضمن جدول المؤذنين لصلاة العشاء.

وهذه النقطة مهمة عند الحديث عن «آخر أذان» للشيخ إبراهيم المدني.

فقد تداولت بعض المواقع أن آخر أذان له كان يوم 11 ربيع الأول 1448هـ, لكن الجداول الرسمية المنشورة لاحقًا تضمنت اسمه حتى 15 ربيع الأول.

ولا يعني وجود الاسم في الجدول بالضرورة أنه نفذ المهمة بالفعل في ذلك اليوم, فقد تطرأ تبديلات بين المؤذنين, لكنه يجعل تحديد «آخر أذان» بصورة قاطعة أمرًا يحتاج إلى تسجيل رسمي أو تأكيد من رئاسة الشؤون الدينية, وليس مجرد الاعتماد على الروايات المتداولة.

ثماني سنوات بين أول تكليف وآخر الجداول

بين قرار تعيينه في مايو 2018 ووفاته في سبتمبر 2026, قضى إبراهيم المدني نحو ثماني سنوات مرتبطًا بمكبرية المسجد الحرام.

وخلال تلك الفترة تعاقبت مواسم رمضان والحج والعمرة, ومرت على المسجد الحرام ظروف استثنائية من بينها سنوات جائحة كورونا, ثم العودة التدريجية إلى الطاقة الاستيعابية الكبيرة واستقبال ملايين المعتمرين والحجاج.

وفي كل هذه المراحل ظل اسم المدني يظهر بصورة متكررة في جداول المؤذنين وفي التسجيلات الرسمية للأذان والتبليغ.

وبالنسبة لجمهور واسع لم يكن يعرف المؤذنين بأسمائهم, ربما كان صوته مألوفًا أكثر من ملامحه, بعدما وصل الأذان من المسجد الحرام يوميًا إلى شاشات التلفزيون والمنصات الرقمية والإذاعات في دول مختلفة.

رحيل الرجل وبقاء التسجيلات

بعد إعلان وفاته صباح 21 سبتمبر 2026, عادت مقاطع إبراهيم المدني القديمة إلى التداول, وعلى رأسها تسجيلات أذان الفجر والتكبير والتبليغ, إلى جانب القصة الإنسانية لأول مرة دخل فيها المكبرية ونظر إلى الكعبة والطائفين ثم غلبته دموعه.

وهو مشهد يلخص جانبًا كبيرًا من سيرته العلنية.

دخل إبراهيم المدني سجل مؤذني المسجد الحرام رسميًا عام 2018, وبدأت رحلته بأذان فجر ارتبط بالبكاء والرهبة, ثم واصل الحضور في جداول المكبرية لسنوات, حتى ظلت سجلات الرئاسة تحمل اسمه قبل أسابيع قليلة من وفاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى