الدفع الإلكتروني يهيمن في الخليج.. تراجع مستمر لاستخدام النقد

تشهد دول الخليج توسعاً متسارعاً في الاعتماد على المدفوعات الرقمية مقابل تراجع تدريجي لاستخدام النقد، مدفوعاً بتطور البنية التقنية المالية، مع توقعات ببقاء الكاش كخيار محدود ضمن حالات معينة.
تتجه اقتصادات مجلس التعاون الخليجي نحو نموذج “أقل اعتماداً على النقد” بدلاً من التحول الكامل إلى اقتصاد خالٍ من الكاش، حيث يُتوقع استمرار استخدام العملة الورقية في نطاق ضيق يشمل الطوارئ وبعض المعاملات الفردية.
نمو متسارع في المدفوعات الرقمية

تكشف البيانات الرسمية عن توسع واسع في استخدام أنظمة الدفع الإلكتروني داخل أسواق الخليج، مع ارتفاع نسب المعاملات غير النقدية بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة.
في السعودية، وصلت نسبة المعاملات الإلكترونية إلى نحو 79% من إجمالي المدفوعات، مقتربة من مستهدفات رؤية 2030 المحددة عند 70%، بما يعكس تسارع التحول نحو الاقتصاد الرقمي.
وفي الإمارات، تشير الإحصاءات إلى أن المدفوعات اللاتلامسية تمثل نحو 84% من إجمالي العمليات، في وقت تستهدف فيه “استراتيجية دبي غير النقدية” رفع النسبة إلى 90% من المعاملات الرقمية، مع مردود اقتصادي يُقدّر بمليارات الدراهم سنوياً.
أما في الكويت، فقد أعلن البنك المركزي أن المدفوعات غير النقدية بلغت نحو 96% من إجمالي عمليات الدفع، مقابل تراجع استخدام النقد إلى حدود 4%، وهو من أعلى معدلات التحول الرقمي في المنطقة.
عوامل تقود تراجع استخدام النقد
يرتبط هذا التحول بعدة عوامل متداخلة أعادت تشكيل سلوك الدفع في دول الخليج، في مقدمتها توسع المحافظ الرقمية وخدمات الدفع الفوري.
وساهمت خدمات مثل Apple Pay، وstc pay في السعودية، ومنصة “ومض” في الكويت، في تسريع عمليات الدفع اليومي، لتصبح المعاملات الإلكترونية أكثر سهولة من استخدام النقد التقليدي.
كما لعبت التشريعات التنظيمية دوراً محورياً، حيث ألزمت الجهات المختصة الأنشطة التجارية، بما فيها المتاجر الصغيرة ومحطات الوقود ووسائل النقل، بتوفير أجهزة الدفع الإلكتروني (POS)، ما قلل الاعتماد على النقد بشكل كبير.
إلى جانب ذلك، انتقلت العديد من الخدمات الحكومية في دول مثل الإمارات والبحرين إلى المنصات الرقمية بشكل كامل، مع اعتماد شبه تام على الدفع الإلكتروني في الرسوم والمعاملات الرسمية دون قبول النقد في أغلب الجهات.
لماذا لا يختفي النقد بالكامل؟
رغم التوسع الكبير في المدفوعات الرقمية، فإن اختفاء النقد بشكل كامل لا يزال غير مرجح في المدى القريب، نتيجة مجموعة من الاعتبارات العملية.
يأتي في مقدمتها عامل الأمان التشغيلي، حيث يُستخدم الكاش كحل بديل عند انقطاع الشبكات أو حدوث أعطال تقنية أو مخاطر سيبرانية قد تؤثر على أنظمة الدفع الإلكتروني.
كما يفضل بعض الأفراد الاحتفاظ بالنقد لأسباب تتعلق بالخصوصية المالية، خاصة في المعاملات البسيطة التي لا يرغب أصحابها في تسجيلها رقمياً.
ويضاف إلى ذلك استمرار اعتماد بعض فئات العمالة ذات الدخل المحدود على النقد، بسبب عدم ارتباطها الكامل بالنظام المصرفي، رغم التوسع في حلول رقمنة الأجور عبر البطاقات مسبقة الدفع.
اتجاه نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النقد

تشير المعطيات الراهنة إلى أن دول الخليج تمضي نحو نموذج مالي يعتمد بصورة أكبر على المدفوعات الرقمية، مع بقاء النقد في نطاق محدود داخل المنظومة الاقتصادية.
ويعكس هذا المسار تغيّراً تدريجياً في أنماط الاستهلاك والبنية التنظيمية، بالتوازي مع توسع الاستثمارات في التقنيات المالية، ما يعزز كفاءة التعاملات ويقلل الاعتماد على النقد خلال السنوات المقبلة.





