تراجع الطلب الخليجي على العمالة المصرية.. طلب إحاطة يفتح ملف «وظائف المستقبل» للمغتربين

فتح طلب إحاطة برلماني جديد ملفًا حساسًا يهم ملايين المصريين في الداخل والخارج، بعد التحذير من تراجع طلب دول الخليج على العمالة المصرية خلال الفترة الأخيرة، في ظل تغيرات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة تضرب سوق العمل الإقليمي والعالمي.

وتقدم النائب محمد رشوان، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى وزير العمل، بشأن ما وصفه بتراجع فرص العمالة المصرية في أسواق الخليج، مطالبًا بتحرك حكومي واضح لمواجهة المتغيرات الجديدة، وإعادة تأهيل العمالة المصرية بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في عام 2026 وما بعده.

تراجع بين 40% و60% في طلبات التوظيف

بحسب ما أورده النائب في طلب الإحاطة، تواجه العمالة المصرية تحديات متزايدة في أسواق العمل الخليجية، مع تراجع طلبات التوظيف بنسب تتراوح بين 40% و60% منذ تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة.

وأوضح أن هذا التراجع انعكس على حركة السفر والعمل بالخارج، رغم استمرار رغبة أعداد كبيرة من الشباب المصري في البحث عن فرص عمل خارجية، باعتبار الخليج أحد أهم المقاصد التقليدية للعمالة المصرية خلال العقود الماضية.

وأشار رشوان إلى أن التوترات الإقليمية الأخيرة، وما تبعها من حالة حذر لدى الشركات، أثرت على قرارات الاستقدام في عدد من دول الخليج، خاصة الكويت والإمارات والبحرين، حيث أصبحت الشركات أكثر تحفظًا في فتح وظائف جديدة أو التوسع في استقدام عمالة من الخارج.

الذكاء الاصطناعي يغير قواعد سوق العمل

لم يتوقف طلب الإحاطة عند العامل السياسي أو الأمني فقط، لكنه ربط الأزمة بتحول أعمق يشهده سوق العمل العالمي، يتمثل في الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات في عدد من القطاعات التي كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من العمالة التقليدية.

وأوضح النائب أن الدول المستقطبة للعمالة، خاصة في الخليج وأوروبا، بدأت في تبني تقنيات حديثة في قطاعات التشييد، والخدمات، واللوجستيات، وهي من المجالات التي يعمل بها عدد كبير من المصريين بالخارج.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن الوظائف لم تعد تعتمد فقط على الجهد البدني أو الخبرة التقليدية، بل أصبحت تتطلب مهارات رقمية، وقدرة على التعامل مع التكنولوجيا، ومعرفة أساسية بالحاسب واللغة، وشهادات تدريب معترف بها دوليًا.

تراجع الطلب الخليجي على العمالة المصرية.. أزمة مهارات

حذر النائب محمد رشوان من وجود نقص واضح في مهارات الحاسب واللغة لدى قطاع واسع من العمالة المصرية، وهو ما قد يضعف قدرتها على المنافسة أمام عمالة من دول أخرى بدأت في الاستثمار بقوة في التدريب المهني الحديث.

ولفت إلى أن بعض الأسواق الإقليمية بدأت تشترط شهادات جودة رقمية ومهنية كشرط أساسي للاستقدام، بينما لا تزال برامج التدريب المهني في مصر غير قادرة، بالسرعة المطلوبة، على توفير هذه الشهادات أو تأهيل العمالة التقليدية بصورة تناسب متطلبات الخارج.

ويعني ذلك أن العامل المصري الذي كان يجد فرصًا في الخليج بناءً على الخبرة العملية وحدها، قد يواجه مستقبلًا منافسة أكبر من عمالة تمتلك شهادات تقنية، أو قدرة أعلى على التعامل مع الأنظمة الذكية، أو مهارات لغوية ورقمية أفضل.

هل تكفي استراتيجية مصر الرقمية؟

أشار طلب الإحاطة إلى أن استراتيجية مصر الرقمية تستهدف إضافة 250 ألف فرصة عمل، إلا أن الواقع لا يزال يكشف بطئًا في إعادة تأهيل الملايين من العمالة التقليدية، خاصة أصحاب المؤهلات المتوسطة والعمالة الفنية والحرفية.

ويرى النائب أن برامج الوزارات المعنية تركز غالبًا على الخريجين الجدد، بينما تحتاج الكتلة الأكبر من العمالة المصرية المرشحة للهجرة أو العمل في الخارج إلى برامج عملية مباشرة، تشمل الفنيين، والعمال المهرة، والحرفيين، وسائقي المعدات، والعاملين في الخدمات والإنشاءات.

وهذه الفئات تحديدًا هي الأكثر احتياجًا إلى إعادة تأهيل، لأنها تمثل جزءًا مهمًا من العمالة المصرية التي اعتمدت عليها أسواق الخليج لسنوات طويلة.

مراكز التدريب أمام اختبار صعب

من أبرز النقاط التي أثارها طلب الإحاطة الحديث عن ضعف اعتماد مراكز التدريب التابعة لوزارة العمل على برامج معترف بها دوليًا في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي والمهارات الرقمية.

ووفقًا لما طرحه النائب، فإن غياب هذه البرامج يجعل الشهادات المصرية أقل قدرة على المنافسة أمام شهادات صادرة من مراكز تدريب إقليمية تعمل بشراكات عالمية، الأمر الذي قد يؤثر مباشرة على فرص العامل المصري في الحصول على وظيفة بالخارج.

ويطرح ذلك سؤالًا مهمًا: هل تحتاج مصر إلى تحديث شامل لمنظومة التدريب المهني حتى تصبح مرتبطة باحتياجات سوق العمل الخليجي، بدلًا من الاكتفاء ببرامج تقليدية لا تواكب التحولات الجديدة؟

لماذا يهم الملف المصريين في الخليج؟

هذا الملف لا يخص الباحثين عن السفر فقط، لكنه يهم المصريين العاملين حاليًا في دول الخليج أيضًا، لأن التحولات في سوق العمل قد تؤثر على تجديد العقود، والترقيات، وفرص الانتقال بين الشركات، ومدى قدرة العامل على الاستمرار في وظيفته.

فالمقيم المصري في الخليج لم يعد مطالبًا فقط بالالتزام بعمله، بل بات مطالبًا بتطوير مهاراته باستمرار، خاصة في اللغة، واستخدام الحاسب، والتعامل مع التطبيقات والأنظمة الرقمية داخل المؤسسات.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة، أصبحت بعض الوظائف التقليدية معرضة للتقليص أو الاستبدال أو إعادة الهيكلة، بينما تظهر وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة.

تحويلات المصريين بالخارج تزيد أهمية التحرك

أكد النائب محمد رشوان في طلبه أن العمالة المصرية بالخارج تلعب دورًا حيويًا في الاقتصاد المصري، من خلال التحويلات التي تعد أحد المصادر الأساسية للنقد الأجنبي.

وتكمن أهمية هذه النقطة في أن أي تراجع طويل المدى في فرص العمل بالخارج قد لا يؤثر فقط على الأفراد والأسر، بل قد يمتد أثره إلى الاقتصاد المصري، باعتبار التحويلات رافدًا مهمًا من روافد العملة الأجنبية.

ولهذا، فإن الحفاظ على قدرة العمالة المصرية على المنافسة في الخارج لم يعد قضية تشغيل فقط، بل أصبح ملفًا اقتصاديًا واستراتيجيًا يرتبط بالدخل القومي، والاستقرار الأسري، ومستقبل ملايين المصريين الباحثين عن فرص أفضل.

ما المطلوب حكوميًا؟

يفرض طلب الإحاطة عدة مطالب عملية، أبرزها وضع خطة قومية عاجلة لإعادة تأهيل العمالة المصرية المرشحة للعمل بالخارج، وربط التدريب باحتياجات دول الخليج الفعلية، وليس فقط بالبرامج النظرية المتاحة حاليًا.

كما يتطلب الأمر شراكات مع جهات تدريب دولية، وإصدار شهادات مهنية معترف بها، وتحديث مراكز التدريب، وتقديم برامج قصيرة ومكثفة في اللغة والحاسب والسلامة المهنية والتقنيات الحديثة.

ومن المهم أيضًا إنشاء قاعدة بيانات محدثة للعمالة المؤهلة، بحيث تستطيع الشركات الخليجية الوصول بسهولة إلى عمالة مصرية مدربة وموثقة المهارات، بدلًا من اللجوء إلى أسواق بديلة.

رسالة للباحثين عن عمل في الخليج

بالنسبة للشباب المصري الراغب في السفر إلى الخليج، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تفكير مختلف. لم يعد كافيًا البحث عن عقد عمل فقط، بل يجب بناء ملف مهني قوي يشمل شهادة مهنة، وخبرة موثقة، ومهارات حاسب، ومستوى مقبول في اللغة، ومعرفة بأساسيات العمل الرقمي.

أما المصريون العاملون بالفعل في الخليج، فعليهم استغلال فترة وجودهم بالخارج في تطوير مهاراتهم، لأن المنافسة في سوق العمل لم تعد بين جنسيات فقط، بل بين عامل تقليدي وعامل قادر على التعامل مع أدوات المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى