مصريون في ذاكرة الخليج.. مريم الصالح بالعباءة والبوشية أمام زكي طليمات.. اختبار صنع تاريخ المسرح الكويتي

لم يكن دخول الفنانة الكويتية مريم الصالح عالم الاحتراف المسرحي في مطلع ستينيات القرن الماضي خطوة فنية عادية، بل كان قرارًا جريئًا في مجتمع كانت فيه مشاركة المرأة على خشبة المسرح تواجه تحديات اجتماعية كبيرة.

وتكشف رواية نشرتها صحيفة «الجريدة» الكويتية تفاصيل من بدايات الصالح، حين تقدمت للانضمام إلى فرقة المسرح العربي التي كان يعمل على تأسيسها الفنان والمخرج المصري زكي طليمات، لتخوض اختبارًا تحوّل إلى محطة مفصلية في تاريخها الفني وتاريخ التمثيل النسائي في الكويت.

العباءة والبوشية.. بداية اختبار غير عادي

لم تذهب مريم الصالح إلى موعد الاختبار بمفردها، بل ارتدت العباءة والبوشية واصطحبت شقيقها الأصغر، الذي رافقها لحمايتها ومساندتها في خطوة كانت جديدة على محيطها الاجتماعي.

وبحسب رواية «الجريدة»، فوجئت الصالح عند وصولها بقاعة كبيرة تضم نحو 40 شابًا، فشعرت بالخجل والارتباك حتى تعثرت أثناء دخولها. كان الموقف كافيًا لزيادة توترها، خصوصًا أنها كانت تخوض تجربة غير مألوفة في ذلك الوقت.

لكن زكي طليمات لاحظ ارتباكها، فاختار أن يبعدها عن أجواء القاعة المزدحمة، واصطحبها إلى غرفة جانبية، حيث هدّأها وطلب منها قراءة نص أو أداء مشهد تمثيلي أمامه.

«صقر قريش».. النص الذي فتح لها باب المسرح

في الغرفة الجانبية، قرأت مريم الصالح سطورًا من مسرحية «صقر قريش»، التي كان نصها بحوزتها. وتذكر الرواية أن تعبيرات وجه طليمات وطريقته في تشجيعها ساعداها على تجاوز الارتباك ومواصلة القراءة ثم التمثيل.

انتهى الاختبار بقبولها ضمن أعضاء فرقة المسرح العربي، لتصبح من أوائل النساء الكويتيات اللواتي اقتحمن مجال التمثيل المسرحي الاحترافي، في مرحلة تأسيسية من تاريخ المسرح في الكويت.

مصريون في ذاكرة الخليج

ولم يكن دور طليمات مقتصرًا على تقييم الأداء؛ فقد مثّل تشجيعه عاملًا مهمًا في مساعدة الصالح على مواجهة الضغوط الاجتماعية التي صاحبت تجربتها. وتروي «الجريدة» أنها واجهت اعتراضات من والدتها على عملها في المسرح، بينما وقف والدها إلى جانبها، كما دعمها الفنان محمد جابر، الذي كان يصطحبها إلى البروفات.

عام 1962.. الانطلاقة الاحترافية لمريم الصالح

جاءت الخطوة الاحترافية الأبرز في مسيرة مريم الصالح عام 1962، عندما شاركت في مسرحية «صقر قريش»، من تأليف الكاتب المصري محمود تيمور وإخراج زكي طليمات، ضمن أعمال فرقة المسرح العربي.

وتشير المصادر المسرحية إلى أن العرض الأول للمسرحية أقيم في 18 مارس 1962 على مسرح ثانوية الشويخ، قبل أن تنتقل العروض إلى مسرح كيفان. وشارك في العمل عدد من الأسماء التي أصبحت لاحقًا من أبرز نجوم المسرح الكويتي، من بينهم مريم الغضبان، وعبد الحسين عبد الرضا، وسعد الفرج، وغانم الصالح، وخالد النفيسي.

وفي العام نفسه، شاركت الصالح في مسرحية «ابن جلا»، لتواصل تثبيت حضورها على خشبة المسرح، رغم ما واجهته من صعوبات اجتماعية وشخصية في بداياتها.

مريم الصالح.. رائدة التمثيل النسائي في الكويت

تجاوزت تجربة مريم الصالح حدود النجاح في اختبار أداء، إذ أصبحت من الأسماء المؤسسة للتمثيل النسائي الكويتي، وفتحت تجربتها الطريق أمام حضور المرأة في المسرح المحلي.

ولم تتوقف مسيرتها عند العمل الفني؛ فقد واصلت دراستها المتخصصة، وحصلت على دبلوم الدراسات المسرحية عام 1968، ثم بكالوريوس التمثيل والإخراج المسرحي عام 1979، قبل أن تنال درجة الماجستير في الإخراج من جامعة بريستول في إنجلترا، وفق ما أوردته «الجريدة» والهيئة العربية للمسرح.

وهكذا، بدأت حكاية مريم الصالح من اختبار شعرت خلاله بالخجل أمام عشرات الشباب، لكنها خرجت منه بفرصة غيّرت مسار حياتها، وأسهمت في كتابة فصل مهم من تاريخ المسرح الكويتي. وكانت تلك اللحظة مثالًا على دور زكي طليمات في بناء الحركة المسرحية بالكويت، وعلى إسهام الفنانين المصريين في دعم المواهب الخليجية وصناعة ذاكرة الفن في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى