مصريون في ذاكرة الخليج.. مقلب خالد النفيسي الذي أربك زكي طليمات على المسرح الكويتي

في كواليس المسرح الكويتي، حيث كانت تتشكل ملامح النهضة الفنية خلال ستينيات القرن الماضي، لم تخلُ البدايات من المواقف الطريفة التي جمعت الفنانين الكويتيين بأستاذهم المصري زكي طليمات، أحد أبرز رواد المسرح العربي الحديث، الذي أسهم في تأسيس فرقة المسرح العربي بالكويت وتدريب جيل من الفنانين الذين أصبحوا لاحقًا من أشهر نجوم الخليج.

ومن بين تلك الحكايات، مقلب نفذه الفنان الكويتي خالد النفيسي في زميله محمد جابر، خلال أحد عروض مسرحية «صقر قريش»، ليتحول المزاح خلف الكواليس إلى موقف محرج على خشبة المسرح، بعدما وجد زكي طليمات نفسه ينتظر ممثلًا اختفى فجأة قبل موعد ظهوره.

مصريون في ذاكرة الخليج.. خالد النفيسي ومقلب أربك عرض صقر قريش

تعود تفاصيل الواقعة إلى بدايات فرقة المسرح العربي في الكويت، عندما كان زكي طليمات يشرف على تدريب مجموعة من المواهب الشابة، من بينها عبدالحسين عبدالرضا وخالد النفيسي ومحمد جابر وغانم الصالح وسعد الفرج.

وفي حوار نشرته صحيفة «الجريدة» الكويتية يوم 2 يونيو 2017، استعاد الفنان محمد جابر، الشهير بشخصية «العيدروسي»، ذكرياته مع زكي طليمات، كاشفًا عن مقلب نفذه فيه زميله خالد النفيسي أثناء عرض مسرحية «صقر قريش».

وبحسب رواية جابر، كان النفيسي معروفًا بين زملائه بحبه للمقالب، وفي إحدى الليالي أغلق عليه باب غرفته من الخارج، قبل حلول موعد دخوله إلى المسرح لأداء دوره.

حاول محمد جابر الاستغاثة والصراخ حتى يسمعه أحد أفراد فريق العمل، لكن محاولاته لم تنجح سريعًا، بينما كان العرض مستمرًا على خشبة المسرح دون أن يعرف زكي طليمات سبب غياب الممثل المنتظر.

«أين أنت يا غلام؟».. صرخة زكي طليمات على المسرح

في تلك اللحظات، كان زكي طليمات يؤدي شخصية عبدالرحمن الداخل في مسرحية «صقر قريش»، بينما يجسد محمد جابر شخصية الغلام.

وحين حان موعد ظهور الغلام ولم يدخل إلى المسرح، صاح طليمات بعبارته الشهيرة: «أين أنت يا غلام؟»، دون أن يعلم أن الممثل الشاب محبوس داخل غرفته بفعل مقلب دبره خالد النفيسي.

واستمر ارتباك الموقف حتى تمكن خبير المكياج المصري محمد عبدالحميد، المعروف بلقب «بوحميد»، من فتح باب الغرفة وإنقاذ محمد جابر.

وانطلق الممثل الكويتي مسرعًا نحو خشبة المسرح للحاق بالمشهد الذي تأخر عنه، حاملًا صينية القهوة التي كان يفترض أن يدخل بها ضمن أحداث العرض.

لكن المفاجأة لم تنتهِ عند هذا الحد، إذ أدى اندفاع جابر إلى انسكاب القهوة على زكي طليمات، الذي فوجئ بما حدث أمامه.

وتساءل طليمات باللهجة المصرية: «إيه يا بني مالك؟»، ليقترب منه محمد جابر ويخبره همسًا أن خالد النفيسي هو صاحب المقلب.

وجاء رد الأستاذ المصري مختصرًا ومعبرًا عن دهشته من تصرف تلميذه: «ده مصيبة».

وبذلك تحول مقلب بسيط بين اثنين من الممثلين الشباب إلى واحدة من الحكايات التي احتفظ بها محمد جابر في ذاكرته، وروى تفاصيلها بعد مرور أكثر من نصف قرن.

زكي طليمات.. المصري الذي أسهم في تأسيس المسرح الكويتي الحديث

لم تكن علاقة زكي طليمات بالكويت مقتصرة على إخراج العروض المسرحية، بل امتدت إلى المشاركة في بناء مؤسسة فنية تعتمد على التدريب المنظم، واختيار المواهب، والالتزام بالنصوص المسرحية وأصول الأداء.

وتشير دراسة تاريخية نشرها الباحث الدكتور سيد علي إسماعيل في جريدة «مسرحنا» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، إلى أن طليمات زار الكويت عام 1958، وأعد تقريرًا تناول واقع النشاط الفني وسبل تطويره.

وبعد دراسة مقترحاته، استعانت به الجهات الكويتية مجددًا عام 1961 للمشاركة في تنفيذ مشروع تطوير الحركة المسرحية.

وفي 10 أكتوبر 1961، صدر قرار إنشاء فرقة المسرح العربي، التي أصبحت إحدى المحطات الرئيسية في تطور المسرح الكويتي الحديث.

وعمل طليمات على تدريب مجموعة من الفنانين الشباب، واهتم بالإلقاء باللغة العربية الفصحى، والحركة المسرحية، وفهم النصوص، والانضباط خلال البروفات والعروض.

وأسهمت هذه التجربة في تقديم جيل من الفنانين الذين تركوا بصمة كبيرة في المسرح والتلفزيون الكويتي والخليجي خلال العقود التالية.

«صقر قريش».. المسرحية التي جمعت كبار نجوم الكويت

تعد مسرحية «صقر قريش»، من تأليف الكاتب المصري محمود تيمور وإخراج زكي طليمات، واحدة من أبرز المحطات المبكرة في تاريخ فرقة المسرح العربي.

وقدمت المسرحية على مسرح ثانوية الشويخ في 18 مارس 1962، بمشاركة مجموعة من الفنانين الشباب الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز نجوم الفن الكويتي.

ومن بين المشاركين عبدالحسين عبدالرضا، وخالد النفيسي، ومحمد جابر، وغانم الصالح، وسعد الفرج، ومريم الصالح، ومريم الغضبان، وعبدالرحمن الضويحي.

وجسد زكي طليمات الشخصية المحورية في المسرحية، عبدالرحمن الداخل، بينما شارك تلاميذه في الأدوار الأخرى.

ووفق رواية محمد جابر، قدمت الفرقة 18 عرضًا للمسرحية، التي حظيت بإقبال جماهيري رغم اعتمادها على اللغة العربية الفصحى، وشهدت أحيانًا إضافات عفوية باللهجة الكويتية من بعض الممثلين.

من المقالب إلى النجومية.. حكايات الجيل الأول للمسرح الكويتي

تكشف واقعة خالد النفيسي ومحمد جابر جانبًا إنسانيًا من علاقة زكي طليمات بتلاميذه، الذين كانوا في بداية مشوارهم الفني، ويجمعون بين الالتزام بالتدريبات وروح الدعابة داخل الكواليس.

ورغم صرامة طليمات المعروفة خلال العمل، احتفظ تلاميذه بذكريات عديدة عن مواقفه معهم، وكيف تعامل مع أخطائهم ومحاولاتهم لتطوير أدائهم المسرحي.

ولم تتوقف آثار هذه التجربة عند العروض الأولى، بل امتدت إلى تأسيس مسارات فنية طويلة لنجوم أصبحوا جزءًا من ذاكرة المشاهد الخليجي.

أما زكي طليمات، فظل اسمه مرتبطًا بمرحلة مهمة من تاريخ التعاون الثقافي المصري الكويتي، بعدما ساعد في تحويل التجارب المسرحية إلى عمل مؤسسي يقوم على التدريب والتعليم وإعداد الفنانين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى