تكلفة سفر المصريين للخليج.. أسعار رحلة الأحلام تبدأ من ربع مليون جنيه

ما يزال السفر إلى الخليج حاضرا بقوة في مخيلة ملايين الشباب المصريين باعتباره الطريق الأقصر لتحسين مستوى المعيشة، لكن هذا الحلم يخفي وراءه فاتورة مالية معقدة، تبدأ قبل السفر بعدة أشهر ولا تنتهي إلا بعد فترة طويلة من العمل.

الرحلة لم تعد مجرد فرصة، بل تحولت إلى مشروع استثماري كامل، يدفع فيه المسافر مقدما عشرات وربما مئات الآلاف من الجنيهات، على أمل استردادها لاحقا في رحلة شاقة تبدأ بسداد الديون ومحاولات تحقيق الأرباح.

قفزة في تكلفة إجراءات السفر

تبدأ الرحلة بسلسلة من الإجراءات الإلزامية التي شهدت تكلفتها قفزات ملحوظة مؤخرا، حيث يستهل الراغب في السفر خطواته بالكشف الطبي عبر مراكز متخصصة ومعتمدة بتكلفة تتراوح بين 5 إلى 7 آلاف جنيه، يتبعها إجراءات توثيق الشهادات الدراسية وترجمتها الذي قد يكلف نحو 4 آلاف جنيه إضافية، ومع إضافة رسوم تصريح العمل وجواز السفر والفيش الجنائي، وصولا إلى تذكرة الطيران التي يتراوح سعرها بين 12 و20 ألف جنيه، يجد المسافر نفسه قد أنفق ما يقرب من 30 ألف جنيه كحد أدنى قبل أن يغادر مصر، دون أن يضمن طبيعة العمل الفعلية في حالات عدة.

الفجوة بين الطموح والواقع

وتأتي التكلفة الأكبر في سعر عقد العمل، وهي ظاهرة تفرضها مكاتب التوظيف غير الرسمية رغم حظرها قانونا في دول الخليج، وبينما يحظى أصحاب المهن التخصصية مثل الأطباء والمهندسين بعقود تكاد تكون مجانية.

ويواجه العمال والفنيون واقعا قاسيا، حيث يصل سعر الفيزا في السوق السوداء إلى ما بين 150 و300 ألف جنيه، وهو ما يتم تدبيره غالبا عبر الاقتراض أو بيع مدخرات العائلة، ما يحول السفر من فرصة عمل إلى مخاطرة مالية كبرى تضع العامل تحت ضغط الديون منذ اللحظة الأولى لوصوله.

إيصالات الأمانة تهدد سيد

“سيد” شاب في الثلاثين من عمره من إحدى قرى محافظة المنوفية، كان يعمل نقاشا بدخل محدود، قبل أن يقنعه أحد السماسرة بعقد عمل في الكويت “عامل معماري” براتب كبير، ولكي يوفر مبلغ 220 ألف جنيه الذي طلبه السمسار قيمة للتأشيرة وتذاكر الطيران، لم يجد الشاب مفرا من رهن قيراط الأرض الوحيد الذي ورثه عن والده، بالإضافة إلى توقيع إيصالات أمانة بفوائد لأكثر من تاجر في قريته.

عند وصوله الكويت، كانت الصدمة الأولى، أن الشركة التي استقدمته تعثرت في مشاريعها، وتأخر صرف أول راتب له لمدة 3 أشهر كاملة، حينها وجد “سيد” نفسه في مهب الريح، يعيش على مساعدات زملائه في السكن، بينما كانت الاتصالات تنهال على أهله في مصر من الدائنين للمطالبة بالأقساط.

“سيد” يقضي شهره السادس الآن في الكويت، ولم يسدد حتى 10% من أصل دينه، يصف وضعه قائلا: “أنا دلوقتي بشتغل عشان أمنع الدائنين من سجن أخويا عشان وقع معايا على إيصالات الأمانة”.

الشهر صفر في المدن مرتفعة التكلفة

عند الوصول، تبدأ مرحلة “الشهر صفر” وهي الفترة التي تسبق استلام أول راتب شهري، حيث يضطر المسافر للإنفاق على السكن المشترك والمعيشة والمواصلات، خاصة في مدن مرتفعة التكلفة مثل الرياض أو دبي، وهو ما يتطلب سيولة نقدية تتراوح بين 20 إلى 30 ألف جنيه.

وفي حالات العقود غير الرسمية أو الفيزا الحُرة، قد يُجبر العامل على تحمل رسوم الإقامة والفحص الطبي الداخلي التي قد تتجاوز 50 ألف جنيه، رغم أن القوانين تلزم صاحب العمل بها، ما يجعل تكلفة السفر لبعض الفئات تتجاوز 250 ألف جنيه.

فخ الفيزا الحرة

“هاني”، خريج كلية تجارة، قرر السفر إلى السعودية بنظام الفيزا الحرة، ووصلت تكلفتها إلى 160 ألف جنيه جمعها من خلال بيع مشغولات ذهبية لزوجته واقتراض مبالغ من أقاربه، على أمل أن يجد وظيفة محاسب فور وصوله.

مرت 4 أشهر منذ سفره وهو ينتقل من شركة إلى أخرى دون جدوى، بينما كانت مصاريف السكن المشترك تلتهم ما تبقى معه من أموال ضئيلة أخذها معه قبل سفره، ما اضطره للعمل “عامل تحميل” في الساعات المتأخرة من الليل براتب يومي قليل يكفي طعامه وشحن هاتفه فقط، بحسب قوله.
نقطة التعادل.. متى تجني الأرباح؟

اقتصاديا، تختلف نقطة التعادل أو اللحظة التي يبدأ فيها المغترب بجني ثمار سفره باختلاف الدخل الشهري، فأصحاب الرواتب التي تبدأ من 7 آلاف ريال على سبيل المثال يمكنهم استرداد تكاليف سفرهم خلال 4 إلى 6 أشهر، أما العمالة ذات الدخل المحدود التي تتراوح بين 1800 و2500 ريال، فإن الطريق يكون أطول بكثير، حيث قد يستغرق الأمر ما بين 14 إلى 20 شهرا من العمل الشاق لسداد الديون فقط قبل البدء في أي ادخار فعلي.

وزارة العمل تحذر راغبي السفر

وفي ظل تزايد ضحايا العقود الوهمية، تصدر وزارة العمل، بشكل دوري، سلسلة من البيانات والتحذيرات التي تشدد على ضرورة عدم انسياق الشباب وراء إعلانات الفيزا الحرة أو العقود غير الموثقة، مؤكدة أن السفر دون وجود عقد عمل رسمي ومعتمد من الإدارة العامة للتشغيل يضع المواطن في مأزق قانوني خارج البلاد، حيث يفقد حماية مكاتب التمثيل العمالي بالسفارات المصرية، ويصبح عرضة للترحيل الفوري في حال ثبوت عمله لدى غير الكفيل المسجل.

كما تناشد الوزارة الراغبين في السفر ضرورة التوجه إلى مقرها بالقاهرة أو المديريات التابعة لها بالمحافظات للتأكد من صحة عقودهم ومراجعة سجلات شركات إلحاق العمالة بالخارج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى