
لم تكن قسمة علي عمر تحمل سلاحًا، ولم تكن طرفًا في القتال الدائر بالسودان، لكنها أصبحت واحدة من الوجوه الإنسانية الأكثر إيلامًا في حرب دارفور، بعدما انتشرت مقاطع مصورة توثق تعرضها للتعذيب وهي معلقة إلى شجرة، في واقعة هزت الرأي العام وأثارت غضبًا واسعًا داخل السودان وخارجه.
وبعد نحو عام من تداول قصتها، أعلن الجيش السوداني القبض على أحد عناصر قوات الدعم السريع، قال إنه متورط في تعذيب قسمة وقتلها، في تطور أعاد القضية إلى الواجهة وفتح باب الأمل أمام أسرتها والمتابعين في الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.
ووفقًا لما أعلنه الجيش، تعود وقائع القضية إلى سبتمبر 2025، حين كانت قسمة، وهي شابة نازحة من إقليم دارفور، تحاول النجاة من دائرة العنف التي دفعت آلاف الأسر إلى ترك منازلها والبحث عن مكان أكثر أمانًا.
لكن رحلة النزوح التي كان يفترض أن تنقذ حياتها انتهت بمأساة. وتشير الرواية المتداولة إلى أن أحد المسلحين احتجزها وعلّقها من ذراعيها إلى شجرة في إحدى مناطق وسط دارفور، قبل أن يواصل الاعتداء عليها، بينما جرى تصوير الواقعة ونشرها لاحقًا على منصات التواصل الاجتماعي.
رسالة صوتية تحولت إلى اتهام
بحسب الروايات التي رافقت انتشار القضية، بدأت مأساة قسمة بعد إرسالها رسالة صوتية بلغة قبيلتها إلى أحد أقاربها، قبل أن تُتهم بالتعاون مع جهات معادية، رغم عدم ثبوت مشاركتها في أي نشاط عسكري أو ارتباطها بأحد أطراف النزاع.
ومع انتشار المقطع، تحولت قسمة من فتاة مجهولة تحاول النجاة من الحرب إلى رمز لضحاياها المدنيين، ولا سيما النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة انتهاكات لا علاقة لهن بأسباب الصراع أو حسابات أطرافه.
وكتب سودانيون حينها أن قسمة «دفعت ثمن لغتها وانتمائها»، فيما رأى آخرون أن قضيتها كشفت أن الحرب لم تعد تستهدف المقاتلين وحدهم، بل امتدت إلى الهوية واللغة والذاكرة والحياة اليومية للأبرياء.
جريمة قسمة.. غضب يتجاوز حدود السودان
أثارت الواقعة موجة كبيرة من الغضب والاستنكار، وسط مطالبات بتحقيق مستقل وكشف هوية المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة. كما أعادت القضية تسليط الضوء على حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في دارفور، في ظل تعقيدات الحرب وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق المتضررة.
وبالنسبة إلى المتابعين، لم تكن قسمة مجرد اسم جديد يُضاف إلى قائمة الضحايا؛ فقد أصبحت قصتها تعبيرًا عن معاناة آلاف النازحين الذين تركوا منازلهم طلبًا للأمان، ثم وجدوا أنفسهم أمام مخاطر أكبر في طرق النزوح ومناطق اللجوء المؤقت.
الدعم السريع سبق أن نفى مسؤوليته
وكانت قوات الدعم السريع قد نفت، عقب تداول المقطع في سبتمبر 2025، صلة أفرادها بالواقعة، ووصفت الفيديو بأنه جزء من حملة إعلامية تهدف إلى تشويه صورتها، مؤكدة أن المشهد المتداول لا يمثل عناصرها.
ويأتي إعلان الجيش السوداني القبض على متهم في القضية ليضع الروايات المتعارضة أمام مرحلة جديدة من التحقيق، وسط ترقب للكشف عن الأدلة التي تستند إليها الاتهامات، وهوية المتهم، وظروف القبض عليه، والإجراءات القانونية التي ستُتخذ بحقه.
وبين النفي والاتهام، تبقى الحقيقة الكاملة مرهونة بما ستسفر عنه التحقيقات، لكن اسم قسمة علي عمر سيظل حاضرًا بوصفه شاهدًا على الثمن الإنساني الباهظ للحرب، وعلى حياة انتهت بعيدًا عن منزلها، بينما كانت تبحث فقط عن مكان آمن.



