يعد حضور المصريين في الخليج ركيزةً أساسيةً في مسيرة البناء والتطوير، حيث سجّل أبناء الكنانة بصماتٍ مهنيةً وتاريخيةً خالدةً أسهمت في تشكيل ملامح المؤسسات الحديثة بدول مجلس التعاون.
إذ توجد العديد من النماذج المصرية الناجحة في الدول العربية عامةً، والخليجية خاصةً، في ظل علاقات ممتدة ومتأصلة بين الجانبين.
نماذج مصرية ناجحة في الخليج.. بروتوكولات التعاون والتمثيل الدبلوماسي الرسمي
تؤكد الوثائق الرسمية في وزارات الخارجية الخليجية أن وجود المصريين في الخليج استند إلى قواعد مؤسسية متينة.
فمع إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، كانت مصر في طليعة الدول الداعمة، حيث أرسلت السفير سعد مرتضى كأول سفير لها في أبوظبي عام 1972، لتوطيد أواصر التعاون.
وفي المقابل، رحبت القاهرة بالقامات الدبلوماسية الخليجية، حيث مثّل السفير الإماراتي تريم عمران تريم بلاده في مصر، مما أسهم في تبادل الرؤى وتنسيق المواقف المشتركة.
وفي الجانب الإنساني والتربوي، نجد أن:
1. البعثات التعليمية
كانت الكوادر المصرية، منذ أربعينيات القرن الماضي، النواة الأولى لتأسيس المدارس النظامية في السعودية والكويت والإمارات، حيث نقلت الخبرات الأكاديمية وأسهمت في إعداد الأجيال الخليجية.
2. الرعاية الطبية
برز أطباء مصريون قدموا خدماتهم بروح العطاء، مثل الدكتور مدحت السيد حافظ، الذي عُرف بجهوده التطوعية في رعاية الأيتام والفئات الأولى بالرعاية في المنطقة، مما عزز الصورة الذهنية الطيبة للمواطن المصري. وفيما يلي نتعرف على أبرز النماذج المصرية الناجحة في الخليج.

للمزيد: الوحدة في الغربة.. كيف تؤثر على نفسية المصريين في الخليج؟
حافظ وهبة.. من أروقة الأزهر إلى السلك الدبلوماسي السعودي
تبرز شخصية الشيخ حافظ وهبة (1889–1967) كواحدة من أهم النماذج التي تجسد عمق الروابط بين البلدين. وُلد وهبة في حي بولاق العريق بالقاهرة، وتلقى تعليمه في الجامع الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي، وهي الخلفية التي صقلت شخصيته القيادية، قبل أن تدفعه الظروف السياسية ومناهضته للاحتلال البريطاني إلى مغادرة موطنه.
بدأت رحلته في منطقة الخليج عبر الكويت والبحرين، حيث ركّز جهوده على تطوير المنظومة التعليمية وتحديث المناهج الدراسية، مما أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني آنذاك. وفي عام 1923، شهدت مسيرته تحولاً جذرياً بعد لقائه الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في الرياض، حيث استشف الملك فيه الذكاء والحكمة، فقرر تعيينه مستشاراً سياسياً له، ثم كلّفه بوزارة المعارف ليتولى ملف التعليم في المملكة الناشئة.
ولم يتوقف طموح وهبة عند هذا الحد، بل اختاره الملك عبد العزيز ليكون أول سفير للمملكة العربية السعودية لدى المملكة المتحدة. وتجلّت المفارقة التاريخية في عودته إلى لندن ممثلاً رسمياً للدولة السعودية، بعدما غادرها سابقاً كمناضل ضد سياستها في مصر.
وقد وثّق وهبة تفاصيل جغرافية وتاريخ شبه الجزيرة العربية في مؤلفه الشهير «خمسون عاماً في جزيرة العرب»، ليظل مرجعاً أساسياً يبرز دور المصريين في الخليج في تدوين التاريخ وتأسيس الدولة.

اقرأ أيضًا: غريب في بلدين.. كيف تعيد سنوات الغربة تشكيل شخصية المصريين في الخليج؟
محمد كمال إسماعيل.. عبقرية العمارة الإسلامية في توسعة الحرمين الشريفين
في قطاع الهندسة والعمارة، يبرز اسم الدكتور المهندس محمد كمال إسماعيل، الذي ارتبط اسمه بأشرف البقاع على وجه الأرض. تولّى هذا النابغة المصري مسؤولية الإشراف الكامل على التوسعة السعودية الثانية للحرمين الشريفين في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، مقدماً حلولاً هندسية واكبت تطلعات الدولة السعودية في خدمة ضيوف الرحمن.
وتضمنت ابتكاراته تصميم المظلات العملاقة في ساحات المسجد النبوي الشريف، لتوفير الحماية للمصلين من حرارة الشمس، كما كان له السبق في فكرة استيراد رخام «التاسوس» من اليونان، وهو نوع نادر يتميز ببرودته الشديدة حتى في درجات الحرارة المرتفعة، لاستخدامه في فرش ساحات الحرم المكي.
ومن المواقف التي سجلها التاريخ لهذا المهندس الفذ، رفضه التام تقاضي أي أجر مقابل عمله في الحرمين الشريفين، مؤكداً أن نيل هذا الشرف هو المكافأة الحقيقية التي لا تضاهيها أموال.

عمر عبد العزيز شرف.. الدبلوماسية والعمل الإنساني لتعزيز الروابط المشتركة
استمرت إسهامات المصريين في الخليج لتشمل العمل الدبلوماسي المتخصص، مثل السفير عمر عبد العزيز شرف، الذي ينتمي إلى عائلة سياسية مصرية عريقة.
وقد انتُدب شرف للعمل في سلطنة عُمان خلال مرحلة التأسيس الحديثة في سبعينيات القرن الماضي، حيث أسهم بفاعلية في وضع الأطر التنظيمية للدبلوماسية العُمانية، ونال تقديراً رسمياً من السلطنة ومصر على حد سواء.
تؤكد هذه النماذج أن المصري في دول الخليج كان شريكاً فاعلاً في صياغة الحاضر وبناء المستقبل، بعيداً عن كونه مجرد عمالة مؤهلة، بل باعتباره عنصراً محورياً في معادلة التنمية الشاملة والتعاون العربي المشترك.




