
مع حلول الربع الثاني من عام 2026، لا يزال ملف “الجالية المصرية في الكويت” يتصدر مشهد العلاقات الثنائية والتقارير الاقتصادية والاجتماعية في البلدين.
وفي ظل التحولات الجذرية التي شهدتها سوق العمل الكويتية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، يبرز التساؤل حول الحجم الحقيقي للتواجد المصري، وكيف أثرت سياسات “التكويت” وإعادة هيكلة التركيبة السكانية على أعداد المصريين وتوزيعهم المهني.
الأرقام تتحدث: المرتبة الثانية ومؤشرات الاستقرار
وفقاً لآخر تحديثات الهيئة العامة للمعلومات المدنية في الكويت (PACI) وتقديرات وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج لعام 2026، حافظت الجالية المصرية على مكانتها كواحدة من أكبر المكونات السكانية في الكويت، حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد الجالية الهندية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي عدد المصريين (عاملين وملتحقين بعائل) يتراوح ما بين 640,000 إلى 670,000 نسمة، وهو ما يمثل نحو 13% إلى 14% من إجمالي سكان الكويت البالغ عددهم نحو 5.23 مليون نسمة بحسب إحصاءات مطلع العام الجاري.
وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن تقليص الأعداد، إلا أن التقارير الصادرة عن وزارة العمل المصرية تؤكد أن حركة التوظيف شهدت “فلترة نوعية” أكثر من كونها انكماشا عدديًا حادًا.
فبينما غادر الآلاف من العمالة غير المنتظمة أو “الهامشية”، استقبلت الكويت في عامي 2025 و2026 دفعات جديدة من الكوادر التخصصية، خاصة في قطاعات الطب، التمريض، والتعليم الخاص.

خارطة التوزيع المهني: من “الحكومي” إلى “الخاص”
شهد عام 2026 ذروة تطبيق خطة “التكويت” في القطاع الحكومي، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في عدد المصريين العاملين في الوظائف الإدارية والكتابية بالوزارات.
ومع ذلك، تشير تقارير غرفة تجارة وصناعة الكويت إلى أن القطاع الخاص لا يزال يعتمد بشكل حيوي على الخبرات المصرية، ويمكن تقسيم التوزيع المهني كالتالي:
قطاع التشييد والخدمات: يضم الكتلة الأكبر من العمالة المصرية بنسبة تقارب 45%، نظراً لاستمرار مشاريع البنية التحتية الكبرى.
قطاع التعليم: رغم “تكوين” العديد من الوظائف التعليمية، لا يزال المعلم المصري حاضراً بقوة في المدارس الخاصة والجامعات الدولية بنسبة تقدر بـ 15% من إجمالي الجالية.
القطاع الطبي: يمثل الأطباء والممرضون المصريون العمود الفقري للعديد من المستشفيات الخاصة، حيث شهدت أعدادهم زيادة طفيفة نتيجة الاتفاقيات الثنائية الموقعة مؤخرًا.
تعديل التركيبة السكانية: الأثر والنتائج
يرى المحللون في الكويت أن عام 2026 يمثل “مرحلة التوازن” بعد سنوات من القرارات التنظيمية الصارمة.
فسياسة تعديل التركيبة السكانية لم تكن تهدف إلى “تفريغ” البلاد من الجالية المصرية، بل إلى ضبط جودة العمالة.
الجالية المصرية في الكويت ليست مجرد رقم إحصائي، بل هي شريك تاريخي في عملية التنمية، والتوجه الحالي يركز على استقطاب المهارات التي تخدم رؤية كويت جديدة.
وقد أدى ربط تجديد الإقامات بشهادات الاعتماد المهني إلى تحسن ملحوظ في مستوى دخل الأفراد، حيث تشير بيانات البنك المركزي المصري إلى أن تحويلات المصريين من الكويت لا تزال محافظة على مستويات مرتفعة، مما يعكس تحسناً في متوسط الأجور للفئات الماهرة التي بقيت في سوق العمل.
طالع أيضًا..
كيف تدفع رسوم البطاقة المدنية في الكويت؟ دليل مبسط خطوة بخطوة
التحديات والآفاق المستقبلية
تواجه الجالية المصرية في 2026 تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الصحية الجديدة، وهو ما دفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرار “العودة الطوعية” أو الاكتفاء بوجود رب الأسرة فقط (نظام العزاب)، ما أدى إلى انخفاض طفيف في أعداد “الملتحقين بعائل”.
ومع ذلك، يظل “الجسر الجوي” بين القاهرة والكويت نشطًا، مدعومًا برغبة مشتركة في تعزيز التعاون الاقتصادي.
وفي ظل التوقعات لعامي 2027 و2028، من المرجح أن يستقر عدد المصريين حول حاجز الـ 600 ألف نسمة، مع تحول تدريجي نحو العمالة الذكية والتقنية، بما يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي في منطقة الخليج.
يسطر المصريون في الكويت فصلًا جديدًا من التواجد القائم على “الكيف قبل الكم”، مؤكدين أن المهارة والالتزام بالقوانين المنظمة هما الضمان الوحيد للاستمرار في سوق عمل باتت المعايير المهنية فيه هي الحاكم الأول والأخير.





