
- المعلومة السريعة لا تعني الصحيحة.. وخطر الشائعات يتضاعف بين المصريين بالخارج
- نحن أمام مرحلة «فلترة نوعية».. البقاء في الخليج بات مرهونًا بالمهارات لا الأعداد
- سياسات التوطين تفرض واقعًا جديدًا.. والمنافسة لم تعد كما كانت
- نحتاج مظلة تأمينية شاملة تواكب حجم وتضحيات المصريين في الخارج
في الكويت، حيث تُعد الجالية المصرية واحدة من أكبر الجاليات العربية وأكثرها حضورًا وتأثيرًا، تتشكل يوميًا ملامح تجربة اغتراب مختلفة، تجمع بين الاستقرار المهني من جهة، وضغوط المعيشة وتحديات السياسات الاقتصادية من جهة أخرى، فالمصري في الكويت لم يعد مجرد عامل يسعى لتحسين دخله، بل أصبح جزءًا من نسيج اقتصادي واجتماعي متشابك، يفرض عليه التكيف المستمر مع متغيرات سوق العمل، وارتفاع تكاليف الحياة، وتطور أنظمة الإقامة والتوظيف.
وبين هذه المعادلة المعقدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الجالية، وقدرتها على الحفاظ على استقرارها، والاستفادة من الفرص المتاحة، في ظل تحولات إقليمية متسارعة.
في هذا الإطار، يأتي حوارنا مع المستشار جمال أبو الخير، عضو المجلس الرئاسي لاتحاد المصريين بالخارج في الكويت، ليلقي الضوء على واقع المصريين هناك، ويكشف عن أبرز القضايا التي تشغلهم، ورؤيته لمستقبلهم في واحدة من أهم وجهات العمل للمصريين بالخارج.
ما هي أبرز 3 قضايا تشغل المصري في الخليج؟
يُمثل المصريون بالخارج قطاعًا كبيرًا ومهمًا، قد يصل إلى نحو ثلث القوى العاملة من فئة الشباب في مصر، حيث يتراوح عدد المصريين العاملين بالخارج بين 12 و13 مليون مصري، وفقًا لآخر تصريحات وزارة الهجرة قبل دمجها مع وزارة الخارجية وشؤون المصريين بالخارج.
وقد تبلورت اهتمامات المصريين في دول الخليج حول عدد من القضايا التي تمس استقرارهم المعيشي ومستقبلهم المهني وارتباطهم بالوطن، ويأتي على رأس أولوياتهم ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: ملف التعليم ودمج الطلاب العائدين من الخارج
تتمثل أبرز المطالب في دمج الطلاب المصريين العائدين من الخارج ضمن منظومة التنسيق الحكومي بعد إجراء المعادلات المطلوبة، تحقيقًا لمبدأ المساواة بين الطلاب المصريين بالداخل والخارج، مع زيادة نسب القبول في الجامعات الحكومية، خاصة بكليات القمة مثل الطب والهندسة.
ويشعر كثير من أولياء الأمور بوجود فجوة في فرص القبول، خصوصًا أن بعض الطلاب المصريين بالخارج يحصلون على مجموع مرتفع قد يتجاوز 98%، ومع ذلك يواجهون صعوبات في الالتحاق بالكليات الحكومية، بينما يتم قبول طلاب أجانب بنسب أقل في بعض الحالات، ما يضطر الأسر إلى اللجوء للجامعات الخاصة ذات الرسوم المرتفعة، وهو ما يمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسر المصرية بالخارج، خاصة مع وجود أكثر من طالب في مراحل تعليمية مختلفة.
ثانيًا: إنشاء مظلة تأمينية وصحية متكاملة للمصريين بالخارج
هناك مطالب متزايدة بإطلاق برنامج حكومي خدمي متكامل، على غرار مبادرة “حياة كريمة”، يضمن توفير خدمات صحية وتأمينية شاملة للمصريين العاملين بالخارج وأسرهم، سواء للعمالة المنتظمة أو المؤقتة أو البسيطة، بما يشمل حالات انتهاء الخدمة أو التقاعد أو العجز أو الوفاة، في إطار مؤسسي مستدام برعاية الدولة.
ثالثًا: الاستفادة من خبرات المصريين بالخارج وتفعيل المبادرات السابقة
تتزايد الدعوات لتأسيس شركة مساهمة مصرية للعاملين بالخارج برؤوس أموال مصرية وتحت إشراف الدولة، بهدف الاستفادة من الخبرات الكبيرة التي اكتسبها المصريون في الخارج، إلى جانب المطالبة بإعادة تفعيل مبادرات الإسكان الاجتماعي للمصريين بالخارج، ومبادرة السيارات، وتسوية المواقف التجنيدية بما يراعي اختلاف الفئات العمرية وظروف العاملين بالخارج.
كيف تصف واقع الجالية المصرية في الخليج اليوم مقارنة بما كان عليه قبل عقدين؟
شهدت دول الخليج خلال العقدين الماضيين تحولات هيكلية غيرت شكل سوق العمل وطبيعة الحياة اليومية بشكل جذري، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على واقع الجالية المصرية.
فالمصري الذي كان يسافر إلى الخليج مطلع الألفية يختلف كثيرًا عن نظيره في عام 2026، سواء من حيث طبيعة الوظائف أو التحديات أو أسلوب الحياة، ففي السابق، كانت العمالة المصرية تتركز في قطاعات المقاولات والتعليم التقليدي والوظائف الإدارية، بينما أصبح الطلب اليوم أكبر على الكفاءات التقنية، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والمبرمجين، والكوادر الطبية المتخصصة.
كما أن أنظمة العمل تطورت بصورة كبيرة، حيث تراجع مفهوم “الكفيل التقليدي” لصالح أنظمة الحوكمة الرقمية والعقود الإلكترونية عبر منصات رسمية مثل “قوى” في السعودية و”سهل” في الكويت، ما أوجد بيئة تعاقدية أكثر تنظيمًا وتوازنًا.
وفي المقابل، ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ نتيجة فرض ضريبة القيمة المضافة ورسوم المرافقين وارتفاع الإيجارات، وهو ما أدى إلى تراجع معدلات الادخار وتحول جزء كبير من دخل العامل المصري إلى نفقات تشغيلية داخل دولة الاغتراب.
كذلك تغير النمط الاجتماعي للجاليات المصرية؛ فبعد أن كانت التجمعات تقتصر على المقاهي الشعبية أو السكن المشترك، أصبح المصريون اليوم أكثر اندماجًا في الفعاليات الثقافية والترفيهية والرياضية التي تشهدها دول الخليج، بما يعكس حالة من الانفتاح الاجتماعي غير المسبوق.
إلى أي مدى استطاعت الجالية الحفاظ على هويتها المصرية داخل المجتمعات الخليجية؟
تُعد الجالية المصرية من أكثر الجاليات العربية قدرة على الحفاظ على هويتها الثقافية والاجتماعية داخل المجتمعات الخليجية، بل تحولت الهوية المصرية إلى أحد أشكال القوة الناعمة المؤثرة في المنطقة.
فعلى الرغم من تأثر بعض المصريين بالمفردات الخليجية بحكم طبيعة العمل والحياة اليومية، تظل اللهجة المصرية حاضرة بقوة داخل البيوت المصرية، بل وتُعد من أكثر اللهجات العربية انتشارًا وفهمًا لدى شعوب الخليج نتيجة التأثير التاريخي للفن والثقافة المصرية.
كما أصبح المطبخ المصري، بأطباقه الشهيرة مثل الكشري والفول والمحاشي، جزءًا من المشهد الغذائي في مدن الخليج الكبرى مثل الرياض ودبي والكويت.
وتلعب المطاعم والمقاهي المصرية، إلى جانب مجموعات التواصل الاجتماعي، دورًا مهمًا في الحفاظ على الروابط الاجتماعية بين أبناء الجالية، من خلال تنظيم الإفطارات الجماعية والأنشطة الاجتماعية ومساعدة القادمين الجدد، بما يعزز روح الانتماء والارتباط بالوطن.
ومع كثرة الفعاليات الفنية والثقافية المصرية ضمن مواسم الترفيه الخليجية، أصبحت الهوية المصرية حاضرة بقوة داخل المشهد الثقافي الخليجي في حالة من التناغم والتقارب الحضاري.
ما أبرز التحديات التي تواجه المصريين العاملين في دول الخليج حاليًا؟
تغيرت طبيعة التحديات التي تواجه المصريين بالخارج؛ فبعد أن كانت تتركز في التأقلم مع الغربة، أصبحت اليوم مرتبطة بشكل أساسي بالمتغيرات الاقتصادية وسياسات التوطين في دول الخليج.
وتعمل هذه السياسات على إحلال المواطنين في الوظائف الإدارية والمحاسبية والموارد البشرية وبعض التخصصات الهندسية والقانونية، ما دفع كثيرًا من المصريين إلى الاتجاه نحو التخصصات الدقيقة والمهارات النادرة لضمان استمرارهم في سوق العمل.
كما تمثل الزيادة الكبيرة في تكاليف المعيشة والإيجارات والخدمات عبئًا ماليًا متزايدًا على الأسر المصرية بالخارج، إضافة إلى المنافسة القوية مع العمالة الأجنبية القادمة من دول تمتلك مهارات تقنية متقدمة أو تقبل برواتب أقل.
كيف يتم التعامل مع قضايا العمل والإقامة والحقوق القانونية للجالية؟
تبذل الدولة المصرية جهودًا كبيرة لتطوير آليات التعامل مع قضايا المصريين بالخارج، من خلال السفارات والقنصليات ومكاتب التمثيل العمالي.
وقد شهدت الفترة الأخيرة عقد لقاءات دورية مع أبناء الجاليات للاستماع إلى مطالبهم ومناقشة مشكلاتهم، خاصة في دول الخليج، إلى جانب توفير خطوط ساخنة وروابط إلكترونية تعمل على مدار الساعة لتقديم الدعم للحالات الإنسانية ومتابعة القضايا العمالية.
كما لعبت المنصات الحكومية الخليجية دورًا مهمًا في تنظيم العلاقة التعاقدية وحفظ الحقوق، مثل منصات “قوى” و”مدد” في السعودية، و”سهل” في الكويت، فضلًا عن أنظمة حماية الأجور في الإمارات، التي تضمن تحويل الرواتب إلكترونيًا ومراقبة التزام أصحاب العمل بحقوق الموظفين.
وتتم معالجة النزاعات العمالية غالبًا عبر التسوية الودية أولًا، ثم اللجوء إلى المحاكم العمالية المتخصصة عند الحاجة.

ما حجم مساهمة الجالية المصرية في الخليج في دعم الاقتصاد المصري؟
تمثل تحويلات المصريين بالخارج أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وتأتي النسبة الأكبر منها من دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات والكويت.
وتتراوح التحويلات السنوية بين 22 و32 مليار دولار، وتساهم بشكل مباشر في دعم الاحتياطي النقدي واستقرار سعر الصرف وتمويل السلع الاستراتيجية.
كما اتجهت الدولة خلال السنوات الأخيرة إلى طرح مبادرات تستهدف جذب مدخرات المصريين بالخارج، مثل الشهادات الدولارية ومبادرات الاستثمار العقاري و”بيت الوطن”، بالإضافة إلى مبادرة سيارات المصريين بالخارج التي ساهمت في توفير تدفقات نقدية كبيرة مقابل تسهيلات جمركية.
كيف تنظرون إلى مستقبل الجالية المصرية في الخليج خلال السنوات المقبلة؟
من المتوقع أن تتجه الجالية المصرية في الخليج خلال السنوات العشر المقبلة نحو ما يمكن وصفه بـ”الفلترة النوعية”، بحيث يصبح البقاء في سوق العمل مرتبطًا بشكل أكبر بامتلاك المهارات المتقدمة والتخصصات النادرة.
ومع توسع مشروعات التوطين، سيتراجع الطلب تدريجيًا على العمالة التقليدية والوظائف الإدارية المتوسطة، في مقابل زيادة الطلب على الكفاءات المتخصصة مثل الأطباء الاستشاريين، وخبراء التكنولوجيا المالية، ومهندسي الاستدامة، وخبراء الذكاء الاصطناعي.
وبالتالي، قد تصبح الجالية المصرية أقل عددًا في بعض القطاعات، لكنها ستكون أكثر تأثيرًا من حيث الخبرات والمشاركة في صنع القرار الاقتصادي والتقني داخل المنطقة.
كيف يمكن تحويل السوشيال ميديا من مصدر توتر إلى أداة تواصل فعالة؟
أصبحت السوشيال ميديا المصدر الأسرع للمعلومة داخل الجاليات المصرية بالخارج، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى بيئة خصبة للشائعات ونشر المعلومات غير الدقيقة.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي الرقمي، والاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم الانسياق وراء الأخبار مجهولة المصدر، خاصة في أوقات الأزمات.
وفي المقابل، يمكن استثمار هذه المنصات بشكل إيجابي لتعزيز التواصل بين الجاليات والدولة، وتنظيم الفعاليات الثقافية والاجتماعية، والتعريف بالحضارة المصرية، ونقل الصورة الحقيقية عن العلاقات المصرية الخليجية، بما يساهم في مواجهة حملات التضليل والشائعات وتعزيز روح الانتماء والوعي الوطني.





