مصريون في ذاكرة الخليج.. عبدالحليم حافظ يرتدي الزي الكويتي ويغني بلهجة أهلها

اعتاد الجمهور العربي سماع عبدالحليم حافظ بلهجته المصرية، سواء غنى للحب أو الوطن، لكن علاقة العندليب الأسمر بالكويت قادته إلى تجربة استثنائية في مسيرته؛ إذ أدى ثلاث أغنيات باللهجة الكويتية، وظهر أمام الكاميرا مرتديًا الزي الوطني الكويتي، في محاولة فنية لتقديم الأغنية المحلية بصوت أحد أشهر المطربين العرب.

وتكشف العودة إلى أرشيف «الأهرام» أن هذه التجربة لم تقتصر على تسجيل أغنيات بلهجة مختلفة، بل امتدت إلى تصويرها لتلفزيون الكويت، مع اهتمام بتفاصيل المظهر وطريقة الأداء. وتضم الأعمال الثلاثة أغنيات «يا هلي يا هلي»، و«عيني ضناها السهر»، و«يا فرحة السمار»، التي أصبحت جزءًا من حكاية التعاون الفني بين مصر والكويت.

عبدالحليم حافظ باللهجة الكويتية.. تجربة مختلفة في مسيرته

ارتبطت التجربة بفترة الستينيات، عندما اتجهت الكويت إلى الاستفادة من أصوات عربية معروفة في تقديم الأغنية الكويتية إلى جمهور أوسع. ووفق ما أورده «الأهرام»، غنى عبدالحليم الأعمال الثلاثة باللهجة المحلية، في تجربة وصفها الأرشيف بأنها الوحيدة من نوعها في مسيرته من حيث الغناء بلهجة عربية أخرى إلى جانب المصرية.

وجاءت الخطوة في سياق علاقة فنية أوسع بين العندليب والكويت، التي زارها للمرة الأولى عام 1956، قبل أن تتجدد صلته بها خلال السنوات التالية. ومع احتفالات الكويت الوطنية، شارك عبدالحليم في تقديم أعمال مخصصة لها، بعضها باللهجة المصرية وبعضها الآخر باللهجة الكويتية.

وتبرز أهمية هذه التجربة في أن عبدالحليم لم يكتفِ بأداء ألحان جديدة، بل دخل إلى مساحة غنائية ترتبط بخصوصية اللهجة الكويتية وإيقاعها وتعبيراتها المحلية، وهي عناصر تتطلب من المطرب التكيف مع أسلوب مختلف عن المدرسة الغنائية التي اشتهر بها.

«يا هلي».. الأغنية التي قادته إلى الزي الكويتي

تعد أغنية «يا هلي يا هلي» من أبرز الأعمال التي ارتبطت بهذه التجربة. ووفق رواية نقلتها صحيفة «الأهرام»، لحنها الموسيقار الكويتي عبدالحميد السيد، وكتب كلماتها الشاعر وليد جعفر، لتكون من الأغنيات التي قدمها عبدالحليم باللهجة الكويتية خلال زيارته للكويت في منتصف الستينيات.

ولم يتوقف الأمر عند الأداء الصوتي؛ إذ صُورت الأغنية لتلفزيون الكويت، وظهر عبدالحليم مرتديًا الدشداشة والغترة والعقال، في مظهر يختلف عن الصورة التي اعتاد الجمهور رؤيته بها على المسارح وفي الأعمال المصورة.

وتشير رواية المصور الكويتي الواردة في أرشيف «تاريخ الكويت» إلى أن المخرج طلب من عبدالحليم ارتداء الزي المحلي خلال تصوير «يا هلي يا هلي»، وأن الأغنية حققت انتشارًا ملحوظًا. وتمنح هذه الشهادة تفاصيل إضافية عن الجانب البصري للتجربة، الذي جعلها تتجاوز حدود التسجيل الغنائي المعتاد.

«عيني ضناها السهر» و«يا فرحة السمار».. ثلاث حكايات بصوت واحد

لم تكن «يا هلي» العمل الوحيد الذي قدمه عبدالحليم باللهجة الكويتية؛ فقد شملت التجربة أيضًا أغنيتي «عيني ضناها السهر» و«يا فرحة السمار».

وتنسب المصادر الفنية كلمات «عيني ضناها السهر» إلى الشاعر عبدالمحسن الرفاعي، وألحانها إلى سعود الراشد، فيما ارتبطت «يا فرحة السمار» بكلمات أحمد العدواني وألحان حميد الرجيب.

وتكشف هذه الأعمال عن تعاون بين مطربين وملحنين وشعراء من بيئة فنية مختلفة، اجتمعوا لتقديم الأغنية الكويتية بصوت مصري ذائع الصيت. ولم تكن المهمة سهلة بالضرورة؛ فالغناء باللهجة المحلية يحتاج إلى مراعاة مخارج الحروف والإيقاع وطبيعة التعبير، حتى لا يبدو الأداء مجرد تقليد سطحي للهجة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «الرياض» عام 2006 عن «عيني ضناها السهر»، توقفت الصحيفة عند خصوصية التجربة وصعوبة اللهجة الكويتية على الأصوات القادمة من خارج البيئة المحلية، مشيرة إلى مكانة الأغنية في ذاكرة المهتمين بتاريخ الغناء الخليجي.

من الأغنية الكويتية إلى الأعمال الوطنية

امتدت علاقة عبدالحليم بالكويت إلى أعمال وطنية غناها باللهجة المصرية، لكنها حملت أسماء مناطق كويتية ورسائل احتفاء بالبلاد ومناسباتها الوطنية.

ومن أبرز هذه الأعمال أغنية «من الجهرة للسالمية»، التي قدمها عام 1963، بكلمات محمد حمزة وألحان كمال الطويل. وتستحضر الأغنية أسماء مناطق كويتية في سياق الاحتفال بالحرية والوطن، لتقدم نموذجًا مختلفًا عن الأغنيات العاطفية التي ارتبط بها صوت العندليب.

كما شملت الأعمال التي تناولها أرشيف «الأهرام» أغنيتي «ليالي العيد» و«خدني معاك»، إلى جانب «يا كويت يا حبيبة»، التي كتب كلماتها مرسي جميل عزيز ولحنها كمال الطويل، وفق المادة الأرشيفية المنشورة عن أعمال عبدالحليم للكويت.

وتوضح هذه الأعمال أن العلاقة لم تكن مجرد زيارة فنان مصري إلى بلد خليجي لتقديم حفلة، بل شملت إنتاج أغنيات موجهة إلى الجمهور الكويتي، بعضها باللهجة المحلية وبعضها باللهجة المصرية، مع حضور واضح للموضوع الوطني.

مصريون في ذاكرة الخليج.. لماذا بقيت تجربة عبدالحليم في الكويت مميزة؟

تنبع خصوصية التجربة من اجتماع ثلاثة عناصر: نجومية عبدالحليم حافظ، وخصوصية الأغنية الكويتية، والتصوير التلفزيوني الذي وثق ظهوره بالزي الوطني المحلي.

فالعندليب الذي صنع شهرته أساسًا عبر الأغنية المصرية، خاض تجربة تطلبت منه تغيير طريقة النطق والأداء والتعامل مع مفردات ولهجة مختلفتين. كما أتاح التصوير لتلفزيون الكويت الاحتفاظ بصورة مرئية لهذه المرحلة، بدل أن تظل الحكاية محصورة في التسجيلات الصوتية والروايات الشفهية.

وتقدم التجربة أيضًا مثالًا على التبادل الثقافي بين مصر والكويت، حين التقت خبرة مطرب مصري كبير مع جهود ملحنين وشعراء كويتيين لتقديم أعمال تصل إلى جمهور عربي أوسع.

عبدالحليم حافظ والكويت.. ذاكرة تتجاوز الأغنيات

لم يكن ارتداء عبدالحليم حافظ الزي الكويتي تفصيلًا شكليًا منفصلًا عن تجربته الغنائية، بل جزءًا من محاولة تقديم الأغنية المحلية في سياقها الثقافي والبصري. ومع «يا هلي»، و«عيني ضناها السهر»، و«يا فرحة السمار»، بقيت هذه التجربة واحدة من المحطات اللافتة في علاقته بالخليج.

وبين الأغنيات العاطفية باللهجة الكويتية والأعمال الوطنية التي احتفت بالكويت باللهجة المصرية، ترك العندليب فصلًا فنيًا يوضح كيف يمكن للصوت العابر للحدود أن يقترب من ذاكرة مجتمع آخر، حين يتعاون مع فنانيه ويحترم خصوصية لغته الموسيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى