مصريون في ذاكرة الخليج.. كيف جمعت أم كلثوم خمس قصائد للأمير عبدالله الفيصل في أغنية واحدة؟

لم تكن أغنية «من أجل عينيك» التي غنتها أم كلثوم من قصيدة واحدة مكتوبة بالصورة التي وصلت إلى الجمهور، بل كانت نتاج اختيار دقيق لأبيات من خمس قصائد مختلفة للشاعر السعودي الأمير عبدالله الفيصل، جمعتها أم كلثوم في نص غنائي واحد، ثم وضع الموسيقار رياض السنباطي ألحانه عليها.

وتكشف هذه القصة جانبًا غير معتاد من طريقة صناعة بعض روائع أم كلثوم، حيث لم يقتصر دورها على أداء النص واللحن، وإنما امتد إلى اختيار الأبيات وترتيبها بما يخدم البناء الغنائي.

قصيدة «من أجل عينيك» كانت البداية

توضح مصادر صحفية مصرية، من بينها «المصري اليوم»، أن ديوان «حديث قلب» لعبدالله الفيصل كان يضم قصيدة تحمل عنوان «من أجل عينيك»، وتتكون من 19 بيتًا، لكن أم كلثوم لم تغنِّ القصيدة كاملة.

واختارت منها أربعة أبيات فقط لتكون بداية الأغنية، وهي الأبيات التي تبدأ بـ«من أجل عينيك عشقت الهوى»، ثم «يا فاتنًا لولاه ما هزني وجد»، لتنتقل بعد ذلك إلى أبيات من قصائد أخرى في الديوان.

وبذلك، فإن النص الذي يعرفه الجمهور باسم «من أجل عينيك» لا يمثل القصيدة المنشورة في الديوان كاملة، وإنما يمثل بناءً غنائيًا جديدًا جرى تشكيله من أجزاء متفرقة.

خمس قصائد في أغنية واحدة

تشير المصادر التي تناولت تجربة أم كلثوم مع شعر عبدالله الفيصل إلى أن الأغنية جُمعت من خمس قصائد في ديوان «حديث قلب»، وهو ما يجعل النص الغنائي مختلفًا عن القصيدة الأصلية التي تحمل الاسم نفسه.

وتكشف المقارنة بين النصوص أن المقطع الذي يبدأ بـ«من بريق الوجد في عينيك أشعلت حنيني» يعود إلى قصيدة أخرى بعنوان «بريق الوجد»، بينما جاءت مقاطع أخرى من قصائد مختلفة، قبل أن تنتهي الأغنية بالأبيات الشهيرة التي تبدأ بـ«لا تقل أين ليالينا وقد كانت عذابًا».

وتؤكد مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية نشر نص «من أجل عينيك» لعبدالله الفيصل، بما يتيح مقارنة النص الشعري المتداول مع البناء الذي ظهر في الأغنية.

وهنا تظهر أهمية الاختيار؛ فالأغنية لم تعتمد على قصيدة واحدة متصلة، وإنما أعادت ترتيب مقاطع شعرية مختلفة لتكوين مسار عاطفي واحد يبدأ بالافتتان وينتهي بالعتاب والفراق.

أم كلثوم لم تكتفِ بالغناء

تكشف هذه الواقعة عن الدور الذي لعبته أم كلثوم في صياغة عدد من أعمالها؛ فاختيار أبيات محددة من قصائد متعددة وترتيبها في سياق غنائي واحد يمثل تدخلًا واضحًا في إعداد النص المقدم للجمهور.

ولهذا يمكن وصف العملية صحفيًا بأنها نوع من «المونتاج الشعري»، لكن هذا التعبير يظل وصفًا معاصرًا لطريقة الاختيار وليس مصطلحًا نقديًا ثابتًا لوصف تجربة أم كلثوم.

واللافت أن هذا البناء لم يفقد وحدة الأغنية؛ فالمقاطع المختلفة تتحرك جميعها داخل الحالة العاطفية نفسها، من الحب والافتتان إلى الشك ثم الألم والعتاب.

رياض السنباطي يحول النص إلى عمل غنائي

جاء دور رياض السنباطي ليمنح النص المختار بناءه الموسيقي. وكانت «من أجل عينيك» ثاني تعاون بين أم كلثوم وعبدالله الفيصل بعد «ثورة الشك»، التي غنتها عام 1958 ولحنها السنباطي أيضًا.

أما «من أجل عينيك» فقد ظهرت أمام الجمهور للمرة الأولى في حفل أقيم بدار سينما قصر النيل في القاهرة يوم 6 يناير 1972، وهي من كلمات عبدالله الفيصل وألحان رياض السنباطي. وتؤكد مصادر عدة هذا التاريخ، من بينها توثيقات متخصصة في يوميات حفلات أم كلثوم، إلى جانب مادة منشورة في «جريدة الرياض».

وتشير مصادر أخرى إلى عام 1971 عند الحديث عن الأغنية، وهو تاريخ يظهر في بعض قوائم الأعمال، لذلك فإن الأدق عند الحديث عن الظهور أمام الجمهور هو الإشارة إلى العرض الأول في يناير 1972، مع التنبيه إلى وجود اختلاف في بعض التوثيقات حول سنة العمل.

من ديوان شعري إلى ذاكرة الغناء العربي

لم تصل «من أجل عينيك» إلى الجمهور باعتبارها مجرد قصيدة ملحنة، وإنما باعتبارها عملاً غنائيًا أعيد تشكيل نصه من قصائد متعددة.

وهذه الطريقة تفسر لماذا قد يجد الباحث عند الرجوع إلى ديوان «حديث قلب» نصوصًا وأبياتًا تظهر في الأغنية ولكنها لا تأتي مجتمعة بالترتيب نفسه في القصيدة المعنونة «من أجل عينيك».

وتظل قيمة التجربة في اجتماع ثلاثة عناصر في عمل واحد: شعر عبدالله الفيصل، واختيار أم كلثوم للمقاطع وترتيبها، ثم صياغة رياض السنباطي الموسيقية؛ لتخرج الأغنية في صورة مختلفة عن النصوص الشعرية الأصلية، لكنها أصبحت هي الصورة التي رسخت في ذاكرة المستمع العربي.

وهكذا تحولت قصائد متفرقة في ديوان شاعر سعودي إلى عمل غنائي مصري ارتبط باسم أم كلثوم، ليصبح واحدًا من الأعمال التي توثق التداخل الفني والثقافي بين مصر والخليج في زمن ازدهار الأغنية العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى