
في تاريخ الحضور الفني المصري في الخليج، تبدو حفلات أم كلثوم في الكويت أكثر من مجرد محطات غنائية عابرة. ففي فبراير 1963 قدمت كوكب الشرق على مسرح سينما الأندلس أمسيتين تفصل بينهما 48 ساعة فقط، لكنها اختارت لكل ليلة برنامجًا مختلفًا بالكامل، من دون تكرار أي أغنية.
وتوثق صحيفة «الجريدة» الكويتية أن الحفل الأول أقيم يوم الاثنين 25 فبراير 1963، وقدمت خلاله أم كلثوم ثلاث وصلات هي «حيرت قلبي معاك» من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، و«حسيبك للزمن» من كلمات عبدالوهاب محمد وألحان السنباطي، ثم «أنساك» من كلمات مأمون الشناوي وألحان بليغ حمدي.
وبعد يومين فقط، عادت إلى المسرح نفسه مساء الأربعاء 27 فبراير، لكن الجمهور كان على موعد مع برنامج جديد تمامًا؛ فغنت «هجرتك» لأحمد رامي ورياض السنباطي، و«ظلمنا الحب» لعبدالوهاب محمد وبليغ حمدي، ثم «هو صحيح الهوى غلاب» لبيرم التونسي وزكريا أحمد.
ست وصلات.. وليستان كاملتان من الطرب
بمقاييس الحفلات الحديثة قد يبدو الرقم محدودًا؛ ست أغنيات في ليلتين، لكن حفلات أم كلثوم لم تكن تُقاس بعدد الأغنيات بقدر ما كانت تُقاس بالزمن الذي تصنعه الأغنية نفسها.
فالوصلة الواحدة كانت تتحول بفعل الإعادات والارتجال والتفاعل مع الجمهور إلى مساحة موسيقية ممتدة، تختلف من حفل إلى آخر، وهو ما منح تسجيلات أم كلثوم الحية قيمتها الخاصة. ومن هنا تبدو فكرة إعداد برنامج مختلف تمامًا بعد يومين فقط أكثر دلالة من مجرد تغيير قائمة الأغاني؛ فهي تعكس ثراء رصيدها وقدرتها على منح الجمهور تجربتين مستقلتين في الزيارة نفسها.
علاقة مع الكويت سبقت ليالي الأندلس
وتشير مواد أرشيفية مصرية إلى أن صلة أم كلثوم بالكويت بدأت قبل حفلي 1963. ووفق «الأهرام»، يوجد توثيق لتعاقد كوكب الشرق على إقامة ثلاث حفلات في الكويت على مسرح سينما الحمراء في يناير 1959، مقابل 7 آلاف جنيه للحفل الواحد، مع اشتراطها الإشراف على تجهيز المسرح واحتفاظها بحرية اختيار برنامجها الغنائي.
وتوجد بعض الاختلافات بين المصادر في تحديد الزيارة الأولى؛ إذ تشير مادة أخرى منشورة في «الجريدة» الكويتية إلى أن زيارة 1963 كانت الأولى، لكن وثائق التعاقد التي تناولتها مصادر صحفية مصرية تعيد العلاقة المباشرة إلى عام 1959. والمتفق عليه أن حفلي الأندلس في فبراير 1963 من أكثر محطات أم كلثوم الكويتية توثيقًا من حيث التاريخ والبرنامج الغنائي.
صوت مصري يغني للكويت
ولم تقتصر العلاقة على الحفلات العاطفية؛ إذ امتد صوت أم كلثوم إلى الذاكرة الوطنية الكويتية من خلال أعمال كتبها الشاعر الكويتي أحمد العدواني ولحنها رياض السنباطي.
ومن أشهر هذه الأعمال «يا دارنا يا دار»، التي أصبحت من الأغنيات المرتبطة بالكويت في أرشيف أم كلثوم، كما تؤكد مصادر كويتية أن كلماتها لأحمد العدواني وألحانها للسنباطي.
كما غنت «أرض الجدود»، وهي أيضًا من كلمات العدواني وألحان السنباطي، وتؤرخ مصادر فنية كويتية وموسيقية للعمل بعام 1966.
وهكذا لم تعد أم كلثوم بالنسبة إلى الجمهور الكويتي مجرد مطربة مصرية تزور البلاد لإحياء الحفلات، بل أصبح صوتها حاضرًا في جزء من الذاكرة الثقافية والوطنية للكويت.
1968.. عودة تحمل بعدًا عربيًا
وعادت أم كلثوم لاحقًا إلى الكويت بعد حرب يونيو 1967 في مرحلة اتخذت فيها جولاتها العربية بُعدًا مختلفًا، بعدما خصصت حفلات لدعم المجهود الحربي.
وتشير «الجريدة» الكويتية إلى أن زيارتها عام 1968 جاءت بدعوة من الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية، وأن ريع الحفل خُصص لدعم المجهود الحربي، بما أضاف إلى حضورها الفني في الكويت بُعدًا عربيًا وإنسانيًا تجاوز حدود المسرح.
الأندلس.. المسرح الذي تحول إلى ذاكرة
ولم تكن سينما الأندلس مجرد دار لعرض الأفلام. فقد تحولت في مرحلة مبكرة من تاريخ الحركة الفنية الكويتية إلى مسرح استضاف مجموعة كبيرة من نجوم الغناء العرب والعالميين.
وفي معرض أقامته شركة السينما الكويتية الوطنية لتوثيق تاريخها، عُرضت صور نادرة لحفلات أقيمت على مسرح الأندلس، ومن بينها حفلات أم كلثوم في 1963 و1968، إلى جانب حفلات فيروز وبوني إم وسيد مكاوي وغيرهم، كما استضاف المكان أول عرض للفيلم الكويتي الطويل «بس يا بحر». وتشير «الجريدة» إلى أن موقع السينما أصبح لاحقًا موقع مجمع المهلب.
وبذلك بقيت صور أم كلثوم على مسرح الأندلس جزءًا من أرشيف مكان لعب دورًا مبكرًا في تشكيل المشهد الثقافي والترفيهي في الكويت.
ليلتان تختصران معنى العلاقة
بعد أكثر من ستة عقود، لا تبدو أهمية ليلتي فبراير 1963 في أسماء الأغنيات الست وحدها، بل في الطريقة التي تعاملت بها أم كلثوم مع جمهور الكويت؛ أمسيتان على المسرح نفسه خلال 48 ساعة، وبرنامجان منفصلان تمامًا.
في الليلة الأولى «حيرت قلبي معاك» و«حسيبك للزمن» و«أنساك»، وفي الثانية «هجرتك» و«ظلمنا الحب» و«هو صحيح الهوى غلاب». لم يكن الحفل الثاني إعادة للأول، وإنما ليلة جديدة لها شخصيتها ومزاجها الموسيقي الخاص.






