مصريون في ذاكرة الخليج| من قاعات جامعة الكويت إلى شوارع أوروبا.. رحلة استثنائية قادها عالم مصري

لم يكن عالم الأنثروبولوجيا المصري الدكتور أحمد أبو زيد ينظر إلى الجامعة باعتبارها قاعة للمحاضرات فقط، بل مساحة أوسع لاكتشاف العالم والاحتكاك بثقافاته. وخلال سنوات عمله في الكويت، نقل هذه الفكرة إلى طلاب جامعة الكويت، فخرج بهم من حدود المناهج والكتب إلى رحلات تعليمية امتدت من أوروبا إلى مصر.

وصل أبو زيد إلى الكويت عام 1966 للمشاركة في تأسيس جامعة الكويت، في العام نفسه الذي بدأت فيه الجامعة مسيرتها. وتؤكد جامعة الكويت أن المؤسسة أنشئت في أكتوبر 1966، وكانت تضم عند تأسيسها أربع كليات، فيما بلغ عدد طلبتها في بدايتها 418 طالبا وطالبة و31 عضوا في هيئة التدريس.

ويروي أبو زيد في حوار موسع نشرته مجلة «العربي» أن انتقاله إلى الكويت بدأ بدعوة للمشاركة في إنشاء الجامعة الجديدة، وأن المجموعة التي توجهت إلى هناك كانت تنظر إلى مهمتها باعتبارها مساهمة عربية في تأسيس مؤسسة أكاديمية ناشئة. واستعاد العبارة التي قيلت لهم قبل السفر: «هذه هدية مصر للكويت، نحمل رسالة».

980 2

لم تتوقف مساهمته عند التدريس. فبحسب شهادته الشخصية، تولى تنظيم رحلات لطلاب الجامعة، وكانت أولى الرحلات التي نظمها لهم إلى أوروبا، حيث زاروا فرنسا وإنجلترا وألمانيا وهولندا. وهي تفصيلة تكشف كيف كان أبو زيد يتعامل مع التعليم باعتباره تجربة تتجاوز المحاضرة إلى التعرف المباشر على المجتمعات والمؤسسات والثقافات المختلفة.

وبالنسبة إلى طلاب جامعة كانت قد بدأت خطواتها الأولى قبل سنوات قليلة، حملت تلك الرحلة بعدا يتجاوز السياحة؛ فقد أتاحت لهم الاحتكاك بمدن ومجتمعات أوروبية كان معظم ما يعرفونه عنها يأتي عبر الدراسة والكتب. ولا يذكر الحوار تاريخ الرحلة بالتحديد، لذلك من الأدق وصفها بأنها أول رحلة أوروبية نظمها أبو زيد للطلاب، دون الجزم بأنها أول رحلة خارجية في تاريخ الجامعة بأكملها.

رحلة استثنائية قادها عالم مصري

ثم أعاد الأستاذ المصري التجربة في اتجاه آخر، فاصطحب الطلاب في رحلة إلى مصر، زاروا خلالها الآثار المصرية القديمة ومعبد أبو سمبل. وهكذا تحول أبو زيد من أستاذ للأنثروبولوجيا في الكويت إلى دليل لطلابه داخل بلده، يقدم لهم الحضارة المصرية خارج صفحات الكتب ومن خلال مواقعها التاريخية.

وكانت تجربة الكويت جزءا مهما من مسيرة أحمد أبو زيد العلمية. وتشير مجلة «العربي» إلى أنه جاء إلى الكويت عام 1966 للمشاركة في تأسيس الجامعة والتدريس فيها، كما ارتبط اسمه بإطلاق مجلة «عالم الفكر»، التي أصبحت لاحقا واحدة من أبرز الدوريات العربية المتخصصة في العلوم الاجتماعية والفكر الإنساني.

وبعد عودته إلى مصر لم تنقطع علاقته بالكويت. فقد أوضح أبو زيد أنه استمر في زيارتها للإشراف على «عالم الفكر»، وكان يعود إليها مرتين أو ثلاث مرات في العام حتى 1979، قبل أن يعود للعمل في جامعة الكويت مرة أخرى بعد بلوغه الستين، ويستمر هناك حتى عام 1986. كما تشير شهادة أخرى له إلى أن علاقته الاستشارية بالمجلة امتدت نحو 17 عاما.

وتكشف هذه الرحلة الطويلة جانبا من الدور الذي لعبه أكاديميون مصريون وعرب في البدايات الأولى للتعليم الجامعي الخليجي؛ فلم تقتصر مساهماتهم على وضع المقررات والتدريس، وإنما امتدت إلى بناء المؤسسات وإطلاق الدوريات العلمية وفتح مساحات جديدة أمام الطلاب للاطلاع على العالم.

وظل أبو زيد مرتبطا بالكويت حتى سنواته الأخيرة بالذاكرة والمحبة. وفي حواره مع «العربي» تحدث عن صداقاته الكويتية وعن السنوات التي قضاها هناك، مؤكدا احتفاظه بمحبته وولائه للكويت، وهي علاقة صنعتها سنوات التدريس والعمل الثقافي والطلاب والرحلات التي تحولت، بعد عقود، إلى جزء من ذاكرة الجامعة ومن مسيرة أحد أبرز رواد الأنثروبولوجيا العرب. وتوفي أحمد أبو زيد عام 2013 عن 92 عاما، بعدما حصل على جائزة النيل للعلوم الاجتماعية عام 2011 وترك إرثا واسعا في الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى