
تشهد دول الخليج ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة بين الأطفال نتيجة عادات غذائية غير متوازنة وخمول بدني متزايد، وسط تحذيرات من انعكاسات صحية مستقبلية تتعلق بالأمراض المزمنة، ما دفع إلى توسع السياسات الوقائية والتوعوية لمواجهة الظاهرة.
تسجل دول الخليج العربي نمواً مستمراً في نسب السمنة بين الأطفال، لتصبح من أبرز التحديات الصحية في المنطقة، إذ تشير مؤشرات طبية إلى أن عدداً من دول مجلس التعاون الخليجي تقع ضمن أعلى المعدلات عالمياً في إصابة الأطفال بزيادة الوزن، وهو ما يرفع احتمالات الإصابة المبكرة بأمراض مثل السكري وأمراض القلب.
العادات الغذائية غير الصحية في مقدمة العوامل

ترتبط زيادة السمنة بين الأطفال بشكل أساسي بأنماط غذائية غير متوازنة، حيث يعتمد عدد كبير منهم على الوجبات السريعة الغنية بالدهون المشبعة، إلى جانب الإفراط في تناول المشروبات الغازية والسكريات.
ويترافق ذلك مع انخفاض استهلاك الأغذية الصحية مثل الخضروات والفواكه والألياف، ما يؤدي إلى خلل في التوازن الغذائي وتراكم الدهون داخل الجسم بمرور الوقت.
الخمول البدني واعتماد الأطفال على الشاشات
يلعب نمط الحياة الرقمي دوراً مباشراً في تفاقم المشكلة، حيث يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وألعاب الفيديو، على حساب النشاط البدني والحركة اليومية.
وينتج عن ذلك انخفاض في معدل استهلاك الطاقة اليومية وتراجع في مستوى اللياقة البدنية، خصوصاً مع ضعف ممارسة الرياضة أو اللعب في الأماكن المفتوحة.
المناخ ونمط الحياة الحضري
يسهم الطقس الحار في معظم دول الخليج خلال فترات طويلة من العام في تقليل فرص ممارسة الأنشطة الخارجية، ما يدفع الأطفال إلى البقاء داخل المنازل لفترات أطول.
كما يعزز الاعتماد على السيارات حتى في المسافات القصيرة، إلى جانب انتشار خدمات التوصيل السريع، من أنماط الحياة الخاملة التي تقلل من الحركة اليومية للأطفال.
سياسات ضريبية وتشريعات غذائية للحد من الاستهلاك
اتجهت دول الخليج إلى تطبيق حزمة من الإجراءات التنظيمية للحد من استهلاك المنتجات غير الصحية، من بينها فرض “الضريبة الانتقائية” التي تتراوح نسبتها بين 50% و100% على المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة والسكريات.
كما ألزمت الجهات المختصة المطاعم والمقاهي بإظهار السعرات الحرارية في قوائم الطعام، بهدف تعزيز وعي الأسر بالقيمة الغذائية للوجبات المقدمة للأطفال.
إصلاحات داخل المدارس لتعزيز الصحة
شهدت المؤسسات التعليمية في دول الخليج خطوات تنظيمية للحد من انتشار السمنة، شملت منع بيع الأطعمة غير الصحية والمشروبات الغازية داخل المقاصف المدرسية.
كما جرى تعزيز حصص التربية البدنية لتصبح إلزامية في المدارس الحكومية والخاصة، مع التركيز على دعم النشاط البدني لكلا الجنسين ضمن بيئة تعليمية أكثر صحة.
بنية تحتية تدعم النشاط البدني
تعمل دول الخليج على تطوير بيئات حضرية تشجع على الحركة، من خلال إنشاء حدائق عامة واسعة، وممرات مشي، ومناطق رياضية مكيفة أو مظللة.
وتشمل هذه الجهود مشاريع كبرى مثل “الرياض الخضراء” في السعودية، إلى جانب مشاريع حضرية حديثة في دبي تعتمد على تصميمات تقلل من تأثير الحرارة وتشجع على المشي والحركة.
حملات التوعية والفحص المبكر

تنفذ الجهات الصحية والتعليمية في دول الخليج برامج دورية للكشف المبكر عن زيادة الوزن لدى الأطفال داخل المدارس، عبر قياس مؤشر كتلة الجسم (BMI) ومتابعة الحالات مع أولياء الأمور.
وتهدف هذه المبادرات إلى التدخل المبكر قبل تفاقم الحالات، إلى جانب رفع مستوى الوعي الغذائي لدى الأسر حول أهمية النظام الصحي المتوازن والنشاط البدني المنتظم.
بين الأسرة والسياسات العامة
تجمع الرؤى الصحية على أن التعامل مع سمنة الأطفال يتطلب تكاملاً بين دور الأسرة والدولة، حيث توفر السياسات الحكومية والمدارس والبنية التحتية إطاراً داعماً، بينما يظل دور الأسرة محورياً في ضبط السلوك الغذائي اليومي وتشجيع النشاط البدني داخل المنزل وخارجه.
وتشير التقديرات إلى أن رفع وعي الأسرة يمثل عاملاً أساسياً في خفض معدلات السمنة، إلى جانب استمرار تطوير السياسات الصحية والمرافق الداعمة لنمط حياة أكثر نشاطاً.



