رغم الصورة الذهنية السائدة في مصر عن الرواتب الخيالية في دول الخليج، تكشف الأرقام الفعلية أن الواقع أكثر تعقيدا، والفجوة بين التوقعات والدخل الحقيقي تختلف بشكل كبير حسب المهنة والخبرة وطبيعة التعاقد.
فجوة في مرتبات القطاع الواحد
وتتباين الرواتب في الخليج بشكل حاد بين القطاعات، ففي دولة الإمارات، تتراوح رواتب المصريين في الوظائف الإدارية بين 8 آلاف و20 ألف درهم شهريا، بينما يحصل المهندسون على متوسط يتراوح بين 12 ألفا و25 ألف درهم، والمعلمون من 8 آلاف إلى 15 ألف درهم، بحسب مؤسسة Cooper Fitch المتخصصة في تقديم خدمات التوظيف.
أما في القطاعات الأعلى دخلا مثل تكنولوجيا المعلومات، فقد يصل راتب المبرمج الخبير إلى 40 ألف درهم، بينما يحصل المبتدئ على 10 آلاف درهم، ما يعكس وجود فجوة كبيرة داخل نفس المجال.
وفي قطر، تتباين مستويات الدخول الشهرية بشكل واضح، إذ تشير بيانات منصات التوظيف الدولية وتقارير سوق العمل إلى أن رواتب المعلمين تتراوح غالبا بين نحو 8 آلاف و20 ألف ريال قطري شهريا وفقا للمؤهل والخبرة، بينما تسجل مهن القطاع الصحي فجوة أكبر، حيث يمكن أن تتراوح رواتب الأطباء بين نحو 15 ألفا و45 ألف ريال، مع إمكانية تجاوز هذا المستوى في التخصصات النادرة والاستشارية، لكن في المقابل، تبدأ رواتب بعض الوظائف الصحية المساندة من مستويات أقل بكثير، مثل التمريض، ما يعكس تفاوتا هيكليا داخل نفس القطاع.
ولا يختلف الأمر كثيرا في المملكة العربية السعودية، حيث يتراوح ما يحصل عليه العاملون في المهن الهندسية والطبية بين 5 آلاف و8 آلاف ريال، بحسب الخبرة والتدرج الوظيفي، وهو رقم يصطدم بتكاليف المعيشة والتي قد تؤدي إلى استقطاع ما يقرب من 60% من الدخل الشهري للسكن والتأمين الطبي والمواصلات.
تحديات تواجه العمالة المنزلية
أما في قطاع العمالة المنزلية يختلف الأمر تماما عن القطاعات الأخرى، حيث يترواح راتب السائق المصري الخاص بين 1500 و1800 ريال في بداية التعاقد، ويصل إلى 2500 ريال لأصحاب الخبرة، ويتراوح أجر العامل المنزلي الذي يعمل في الحراسة أو الزراعة بين 1200 و1500 ريال، وهي مبالغ تضع العامل أمام تحديات الادخار الصعبة، رغم أنها تعد مرتبات شهرية صافية دون استقطاعات، وفق منصة سائد السعودية المتخصصة في استقدام العمالة المنزلية.
متغيرات تتحكم في مرتبات المتغربين
وبحسب مؤسسات توظيف دولية، فإن الفجوة الحقيقية ليست في “الراتب الاسمي”، بل في القوة الشرائية، فبينما يركز الموظف المصري على سعر الصرف الذي قد يلعب دورا كبيرا في الادخار شهريا، لكنه يغفل عن عدة متغيرات تتمثل في الآتي:
– رسوم تجديد إقامات المرافقين، حيث أصبحت الرسوم في السعودية تشكل عبئا ماليا يقتطع جزءا كبيرا من الدخل السنوي، ويتجاوز 5 آلاف ريال سنويا للمرافق الواحد، بحسب منصة أبشر المسؤولة عن تنفيذ عمليات التجديد وسداد رسوم الجوازات.
– نسبة التضخم، حيث شهدت دول الخليج مثل الإمارات والسعودية تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% بداية من عام 2018، قبل أن يتم رفع النسبة إلى 15% في 2020، وكذلك زيادة أسعار الطاقة ورفع الدعم عن البنزين والكهرباء والخدمات منذ عام 2016، ما أدى لزيادة تكاليف المعيشة والإنتاج، وكذلك التضخم العالمي خاصة في عامي 2022 و2023 الذي أثر على أسعار السلع المستوردة، ما جعل قيمة الـ10 آلاف ريال في 2026 تعادل فعليا 6 آلاف ريال بمقاييس عام 2015، بحسب تقارير صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء بالسعودية لمقارنة مستويات الأسعار بين 2015 و2026، وتقرير البنك الدولي بشأن أحدث المستجدات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط الذي تحدث عن أثر الصراعات والتضخم بالمنطقة.
كيفية تقييم الدخل الحقيقي
وتشير تقارير غير رسمية من داخل أسواق العمل الخليجية إلى وجود “سلم رواتب” غير معلن يعتمد على جنسية الموظف، ورغم كفاءة العامل المصري، إلا أنه غالبا ما يقع في الفئة السعرية المتوسطة، مقارنة بالجنسيات الغربية التي تتقاضى رواتب تفوق نظراءهم العرب بنسبة تصل إلى 40% لنفس المهام الوظيفية.
كما أن متوسط الرواتب قد يكون مضللا، إذ لا يعكس توزيع الدخل الحقيقي، حيث تتركز الرواتب المرتفعة لدى نسبة صغيرة من العاملين، بينما تقع الأغلبية في الشرائح المتوسطة أو المنخفضة، وهو ما يفسر الفجوة بين الانطباع العام والواقع الفعلي، وتظل عوامل مثل توفير السكن أو بدل الإقامة والتأمين الصحي عنصرا مؤثرًا في تقييم الدخل الحقيقي، إذ قد تعوض جزئيا انخفاض الراتب النقدي.





