تدرس السعودية إعادة جزء من وظائف التعهيد التي تنفذها شركات القطاع الخاص خارج المملكة إلى مزودين محليين، في توجه يستهدف الإنفاق وخلق فرص جديدة.
تبحث المملكة العربية السعودية إعادة وظائف التعهيد «Outsourcing» التابعة لشركات القطاع الخاص من مزودين خارج البلاد إلى شركات ومزودين داخل المملكة، ضمن توجه يستهدف الحد من خروج الإنفاق إلى الخارج، وتعزيز المحتوى المحلي، وفتح فرص عمل جديدة أمام الكوادر الوطنية.
وجاء هذا التوجه وفق تصريحات سلطان المسلم، أمين عام اتحاد الغرف السعودية، خلال مقابلة مع «الشرق بلومبرغ»، تحدث خلالها عن حجم الإنفاق السعودي على خدمات التعهيد والخدمات المهنية والاستشارية المقدمة من خارج المملكة.
وأوضح المسلم أن المملكة أنفقت نحو 8 مليارات ريال على واردات الخدمات الاستشارية المهنية والإدارية خلال الربع الأول من العام الجاري فقط، وهو ما يعكس حجم النشاط المالي المرتبط بهذه الخدمات وإمكانية توجيه جزء منه إلى مزودين محليين.
ما الوظائف المستهدفة بإعادة التعهيد إلى السعودية؟
تشمل الدراسة قطاعات متعددة من خدمات التعهيد التي تعتمد عليها شركات القطاع الخاص، مع التركيز على المجالات التي يمكن تنفيذها من داخل المملكة عبر شركات ومؤسسات محلية.
ومن أبرز الأنشطة التي تدخل ضمن نطاق الدراسة:
- تقنية المعلومات وتحليل البيانات.
- مراكز الاتصال وخدمة العملاء.
- المحاسبة والخدمات المشتركة والموارد البشرية.
- الاستشارات الإدارية والمهنية.
- التشغيل والصيانة.
ويعكس تنوع القطاعات المستهدفة رغبة في توسيع نطاق الاستفادة من الإنفاق المرتبط بخدمات التعهيد، مع توفير مساحة أكبر أمام الشركات المحلية والكوادر الوطنية للعمل في هذه المجالات.
لماذا تعتمد الشركات على مزودين من الخارج؟

تركز الدراسة الحالية على فهم الأسباب التي تدفع منشآت القطاع الخاص إلى إسناد بعض أعمالها إلى مزودين خارج المملكة بدلًا من تنفيذها محليًا.
وتشمل العوامل التي يجري بحثها تكلفة الخدمات، ومستوى جودتها، ومدى توافر الكفاءات والتخصصات المطلوبة داخل السوق المحلية.
وتهدف معرفة هذه الأسباب إلى تحديد المتطلبات التي تحتاجها الشركات حتى تتمكن من نقل أعمال التعهيد إلى مزودين داخل المملكة بصورة عملية، مع مراعاة طبيعة كل نشاط واحتياجات المنشآت المختلفة.
نقل وظائف التعهيد خلال 12 إلى 24 شهرًا
تتضمن الدراسة أيضًا تقييم مدى جاهزية المنشآت لنقل أعمالها التي تعتمد على التعهيد إلى داخل المملكة، مع تقدير فترة زمنية تتراوح بين 12 و24 شهرًا.
ويتيح هذا الإطار الزمني تقييم قدرة الشركات على الانتقال التدريجي إلى مزودين محليين، بدلًا من إجراء تغييرات مفاجئة قد تؤثر في استمرارية الخدمات أو كفاءتها التشغيلية.
كما يتيح تحديد الاحتياجات المتعلقة بالكوادر والتقنيات والبنية التحتية والتكلفة، بما يساعد على بناء قدرة محلية تستوعب الأعمال التي تنفذ حاليًا خارج المملكة.
ارتباط التوجه بمستهدفات رؤية السعودية 2030
يرتبط هذا التوجه بمستهدفات رؤية السعودية 2030 المتعلقة بتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد وزيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.
وتستهدف المملكة رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65% بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 52% حاليًا.
ومن هذا المنطلق، يمثل توجيه جزء أكبر من أعمال التعهيد إلى مزودين داخل المملكة أحد المسارات التي يمكن أن تسهم في تنمية نشاط الشركات المحلية، وتقليص الإنفاق المرتبط باستيراد الخدمات، إلى جانب توفير وظائف جديدة للكفاءات السعودية.
تحديات نقل أعمال التعهيد إلى الداخل
رغم الفرص التي يمكن أن يوفرها هذا التوجه، تواجه عملية نقل وظائف التعهيد إلى داخل المملكة عددًا من التحديات.
ومن أبرز هذه التحديات وجود فجوة في بعض الكفاءات المحلية المتخصصة في مجالات محددة، إلى جانب ارتفاع التكلفة التشغيلية نسبيًا في بعض الأنشطة، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بنقل البيانات وإدارتها.
وتحتاج الشركات والجهات المعنية إلى التعامل مع هذه التحديات من خلال تطوير الكفاءات، ورفع قدرة مزودي الخدمات المحليين، وضمان توافر البنية التقنية اللازمة، مع الالتزام بالضوابط المتعلقة بحماية البيانات.
آليات لتعزيز المحتوى المحلي
بدأت جهات حكومية، من بينها هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، في تطبيق آليات تدعم زيادة المحتوى المحلي في عدد من المجالات.
وتشمل هذه الآليات اشتراط حد أدنى للمحتوى المحلي بنسبة 30% في منافسات الاستشارات الإدارية الكبرى، على أن يجري تطبيق ذلك تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.
وتستهدف هذه المتطلبات زيادة مشاركة الشركات المحلية في العقود والمنافسات، ورفع حجم الأعمال التي تنفذ داخل المملكة، بما يدعم نمو القطاع الخاص ويعزز الاستفادة من الإنفاق المحلي.
فرص جديدة للكوادر الوطنية
يمكن أن يؤدي نقل جزء من وظائف التعهيد من الخارج إلى الداخل إلى توفير فرص جديدة للكوادر الوطنية، خصوصًا في قطاعات تقنية المعلومات، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، والمحاسبة، والموارد البشرية، والاستشارات المهنية والإدارية.
كما يمكن أن يدعم هذا التوجه نمو الشركات السعودية المتخصصة في تقديم الخدمات، ويزيد الطلب على المهارات المهنية والتقنية اللازمة لتلبية احتياجات منشآت القطاع الخاص.
ومع ذلك، يرتبط نجاح هذا التوجه بقدرة السوق المحلية على توفير الكفاءات المطلوبة، وتقديم الخدمات بالمستوى والجودة والتكلفة التي تحتاجها الشركات، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لحماية البيانات واستمرارية الأعمال.
وتأتي دراسة إعادة وظائف التعهيد إلى داخل المملكة ضمن توجه أوسع نحو تعزيز المحتوى المحلي، والحد من تسرب الإنفاق المرتبط بشراء الخدمات من الخارج، وزيادة الاستفادة من قدرات الشركات والكوادر الموجودة داخل السعودية.






