مصريون في ذاكرة الخليج.. الشيخ زايد يقف مصفقا والست تغني في أبوظبي

لم تكن زيارة أم كلثوم إلى أبوظبي عام 1971 مجرد محطة فنية جديدة في مسيرة كوكب الشرق، بل جاءت في أيام استثنائية سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحولت مع مرور السنوات إلى واحدة من أبرز الحكايات التي توثق الحضور الثقافي المصري في ذاكرة الخليج.

وصلت أم كلثوم إلى أبوظبي تلبية لدعوة من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، للمشاركة في الاحتفالات التي أقيمت نهاية نوفمبر 1971، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لتوليه حكم إمارة أبوظبي وقبيل قيام دولة الإمارات. ويوثق الأرشيف والمكتبة الوطنية الإماراتية أن الزيارة شملت حفلين غنائيين، إلى جانب استقبال كوكب الشرق في قصر المنهل.

الشيخ زايد بين جمهور أم كلثوم

كان الشيخ زايد حاضرا بين جمهور أم كلثوم في الحفل الأول الذي أقيم مساء 28 نوفمبر 1971، في قاعة امتلأت بالحضور، حتى إن بعض المستمعين جلسوا على الأرض بسبب اكتمال المقاعد.

لكن المشهد الأكثر لفتا لم يكن مجرد وجود حاكم أبوظبي في الحفل، بل الطريقة التي تفاعل بها مع صوت أم كلثوم.

الكاتب الإماراتي عبدالغفار حسين، الذي أكد أنه كان بين الحاضرين، سجل شهادة مباشرة عن تلك الليلة، وروى أن الشيخ زايد كان من أكثر الحاضرين تفاعلا مع الغناء، وكان يقف مصفقا ومحييا أم كلثوم عند وصلاتها الغنائية. وهي شهادة أعيد نشرها ضمن مادة استعرضت كتاب «أم كلثوم في أبوظبي» الذي أعده محمد المر.

وهكذا خرج المشهد من الإطار البروتوكولي المعتاد لاستقبال فنانة كبيرة، ليكشف عن لحظة إنسانية نادرة: الشيخ زايد يتابع واحدة من أشهر الأصوات العربية، ويتفاعل معها وسط جمهور جاء للاستماع إلى «الست».

حفلتان قبل قيام الإمارات بأيام

قدمت أم كلثوم حفلتها الأولى في 28 نوفمبر 1971، وغنت خلالها «أغدا ألقاك» و«الحب كله»، قبل أن تعود في 30 نوفمبر لإحياء حفلها الثاني، الذي تضمن «دارت الأيام» و«القلب يعشق كل جميل»، بحسب التوثيق المنشور استنادا إلى كتاب «أم كلثوم في أبوظبي».

وجاءت الحفلتان في توقيت شديد الخصوصية؛ فأبوظبي كانت تعيش الأيام الأخيرة قبل إعلان الاتحاد في 2 ديسمبر، بينما كانت الاستعدادات السياسية والشعبية تتسارع لبدء مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة.

وتشير الوثائق إلى أن مكانة أم كلثوم لدى الجمهور الإماراتي لم تكن وليدة تلك الزيارة، إذ كان لها جمهور واسع في الإمارات والخليج، بل كان بعض محبيها من الإمارات يسافرون إلى القاهرة خلال الستينيات لحضور حفلاتها الشهرية الشهيرة.

من المسرح إلى قصر المنهل

لم تتوقف زيارة أم كلثوم عند الحفلات الغنائية، إذ استقبلها الشيخ زايد في قصر المنهل، وهي محطة وثقها الأرشيف والمكتبة الوطنية ضمن الصور والتفاصيل التي جمعها كتاب «أم كلثوم في أبوظبي».

وخلال الزيارة، قدم الشيخ زايد لأم كلثوم واحدا من أشهر مقتنياتها لاحقا، وهو عقد من اللؤلؤ الطبيعي يعود صنعه إلى نحو عام 1880، ويتكون من 1888 لؤلؤة طبيعية، وفق توثيق رسمي للأرشيف الإماراتي.

وظل العقد مرتبطا باسم كوكب الشرق لعقود، وظهر لاحقا ضمن معرض «10 آلاف عام من الفخامة» في متحف اللوفر أبوظبي، الذي أكد أن القطعة كانت من مقتنيات أم كلثوم ومعارة من مجموعة متحف زايد الوطني.

أم كلثوم تشهد ميلاد دولة الإمارات

ربما كان أكثر فصول الرحلة رمزية أن أم كلثوم لم تغادر أبوظبي فور انتهاء حفلاتها، بل كانت موجودة في العاصمة يوم 2 ديسمبر 1971.

وتشير روايات موثقة إلى أنها كانت بين ضيوف قصر المنهل عندما وصلت أنباء إعلان قيام دولة الإمارات من دبي، وشهدت مراسم رفع علم الاتحاد في أبوظبي، كما تذكر شهادة محمد الفهيم أنها هنأت الشيخ خليفة بن زايد، الذي كان وليا لعهد أبوظبي آنذاك، بقيام الدولة الجديدة.

وبذلك أصبحت زيارة بدأت بدعوة لإحياء حفل غنائي جزءا من ذاكرة الأيام التي شهدت ميلاد دولة الإمارات، لتجمع الصورة بين صوت مصري كان يملأ العالم العربي وبين لحظة تأسيسية في تاريخ الخليج.

صورة بقيت بعد أكثر من نصف قرن

لم يكن لقاء الشيخ زايد وأم كلثوم مجرد لقاء بين حاكم وفنانة شهيرة، فقد حمل دلالة ثقافية تتجاوز حدود الحفل نفسه. ففي ليلة من ليالي أبوظبي وقف الشيخ زايد مصفقا لكوكب الشرق، وبعد أيام كانت أم كلثوم شاهدة على رفع علم الدولة الجديدة في العاصمة.

ومرت العقود، لكن الصور والشهادات والوثائق بقيت تحفظ تفاصيل الرحلة: حفلتان، قاعة مكتظة، تصفيق الشيخ زايد، استقبال في قصر المنهل، عقد لؤلؤ أصبح قطعة تاريخية، ثم لحظة رفع علم الإمارات.

ولهذا بقيت رحلة أم كلثوم إلى أبوظبي واحدة من أكثر الحكايات تعبيرا عن عمق التبادل الثقافي بين مصر والإمارات، وواحدة من الصفحات التي تضع المصريين بقوة في ذاكرة الخليج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى