مصريون في ذاكرة الخليج.. أم كلثوم تغني لاستقلال الكويت: حكاية «يا دارنا يا دار»

في التاسع عشر من يونيو 1961 كانت الكويت على موعد مع واحد من أهم أيام تاريخها الحديث، حين وقع الشيخ عبدالله السالم الصباح وثيقة الاستقلال التي أنهت اتفاق الحماية مع بريطانيا وكرست السيادة الكاملة للدولة.

وتؤكد وكالة الأنباء الكويتية «كونا» أن الاستقلال تحقق رسميًا في 19 يونيو 1961، قبل أن تبدأ الكويت مرحلة جديدة من بناء مؤسسات الدولة والانضمام إلى المحيطين العربي والدولي.

ولم يكن العيد الوطني آنذاك يُحتفل به في 25 فبراير كما يحدث اليوم. فقد أقامت الكويت أول احتفال رسمي بذكرى الاستقلال في 19 يونيو 1962، وشهد المطار القديم عرضًا عسكريًا بحضور الشيخ عبدالله السالم والمسؤولين والمواطنين.

واستمرت الاحتفالات في يونيو إلى أن صدر في 18 مايو 1964 مرسوم بدمج ذكرى الاستقلال مع ذكرى جلوس الشيخ عبدالله السالم في 25 فبراير، ليبدأ الاحتفال بالموعد الجديد اعتبارًا من عام 1965.

وسط هذه السنوات الأولى من الدولة المستقلة، دخل صوت أم كلثوم إلى الذاكرة الوطنية الكويتية من خلال «يا دارنا يا دار»، وهي من كلمات الشاعر الكويتي الكبير أحمد مشاري العدواني وألحان الموسيقار المصري رياض السنباطي.

والعدواني ليس شاعرًا عابرًا في التاريخ الكويتي؛ فقد أصبح لاحقًا أيضًا صاحب كلمات النشيد الوطني «وطني الكويت سلمت للمجد».

وتؤكد الصحافة الكويتية أن «يا دارنا يا دار» واحدة من أبرز قصائده الوطنية التي وصلت إلى الجمهور العربي بصوت كوكب الشرق.

والقصيدة نفسها لا تترك مجالًا للشك في المناسبة التي استلهمت منها روحها، إذ تتحدث صراحة عن الكويت بعد الاستقلال، ومن أبياتها العبارة الشهيرة: «قالوا الكويت استقل وبدره قد اكتمل»، قبل أن تتجه إلى الاحتفاء بالبلاد وبالشيخ عبدالله السالم وبمرحلة الدولة الجديدة.

وتشير دراسة تناولت شعر العدواني إلى أن القصيدة كانت مكونة في أصلها من 11 مقطعًا، بينما اختارت أم كلثوم ستة مقاطع وأجرت بعض الترتيب والتعديل الذي يناسب البناء الغنائي.

506187563 9724261104341770 383346784383339500 n

وكانت علاقة أم كلثوم بالكويت قد بدأت حتى قبل الاستقلال. ففي يناير 1959 أقامت حفلات في الكويت على مسرح سينما الحمراء، وتشير وثائق صحفية إلى أنها كانت تشترط بنفسها الإشراف على المسرح والتجهيزات، ما يكشف أن صلتها بالجمهور الكويتي سبقت الأغنيات الوطنية بسنوات.

وبعد الاستقلال أصبحت العلاقة أكثر رسوخًا، وصار حضور «الست» يرتبط بالمناسبات الكبرى إلى جانب حفلاتها الطربية.

وفي 25 فبراير 1963 وقفت أم كلثوم على مسرح سينما الأندلس بالكويت في واحدة من أشهر حفلاتها هناك، ثم قدمت حفلاً ثانيًا في 27 فبراير.

وتوثق «الجريدة» الكويتية أن برنامج الليلة الأولى شمل «حيرت قلبي معاك» و«حسيبك للزمن» و«أنساك»، بينما شمل الحفل الثاني «هجرتك» و«ظلمنا الحب» و«هو صحيح الهوى غلاب».

وهنا تظهر نقطة تحتاج إلى الدقة. فبعض المواد الأرشيفية المصرية، ومنها تقرير لـ«الأهرام»، يذكر أن أم كلثوم قدمت «يا دارنا يا دار» في سياق حفلات الكويت بعد الاستقلال، بل يربطها بحفل 1963.

لكن قوائم التسجيلات الباقية للحفل نفسه لا تتضمن الأغنية بين الوصلات الثلاث الرئيسية، فيما تشير سجلات صوتية ومصادر بحثية متخصصة إلى أن النسخة المعروفة من «يا دارنا يا دار» هي تسجيل استوديو خاص لإذاعة الكويت عام 1964.

والتاريخ الأكثر تحديدًا المتداول في أرشيف التسجيلات هو 1 مارس 1964 باعتباره تاريخ بث التسجيل عبر إذاعة الكويت. ويتطابق ذلك مع أكثر من فهرس متخصص لأعمال أم كلثوم، كما تؤكد مصادر كويتية أن الأغنية ارتبطت بالاحتفالات الوطنية في تلك المرحلة.

لذلك فإن الأدق هو أن أم كلثوم غنت للكويت احتفاءً باستقلالها، وسجلت «يا دارنا يا دار» لإذاعة الكويت عام 1964، بدل الجزم بأنها سجلتها في يوم 19 يونيو 1961 نفسه.

ويحمل اللحن بدوره دلالة خاصة؛ فرياض السنباطي لم يتعامل مع النص على طريقة الأغنية الفردية التقليدية، وإنما أدخل الكورال في مقدمتها وفي عدد من مقاطعها.

وينقل الكاتب عبدالله المدني عن دراسة للباحث بشير عياد، نشرتها مجلة «العربي» الكويتية في فبراير 2011، أن بدء العمل بصوت المجموعة كان مقصودًا ليعبر عن الجماعة والشعب قبل دخول صوت أم كلثوم المنفرد.

ولم تكن «يا دارنا يا دار» نهاية العلاقة الوطنية بين أم كلثوم والكويت.

ففي 1966 سجلت عملًا كويتيًا ثانيًا هو «أرض الجدود»، أيضًا من شعر أحمد العدواني وألحان رياض السنباطي. وتؤكد مصادر كويتية أن العملين يمثلان أبرز ما قدمته كوكب الشرق للكويت، فيما يؤرخ أرشيف التسجيلات لأول إذاعة لـ«أرض الجدود» في 8 مارس 1966.

ثم جاءت محطة أخرى مختلفة تمامًا في أبريل 1968، بعد هزيمة يونيو 1967، عندما عادت أم كلثوم إلى الكويت ضمن جولاتها لجمع الأموال للمجهود الحربي المصري. استقبلها أمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح، وأقامت في 25 أبريل 1968 حفلاً كبيرًا بسينما الأندلس، وذكرت مجلة «آخر ساعة» وقتها أنها ارتدت الدشداشة الكويتية تحية للجمهور.

وبذلك امتدت علاقتها بالكويت من حفلات ما قبل الاستقلال، إلى أغاني الدولة الجديدة، ثم إلى الدعم الكويتي لمصر في سنوات الحرب.

أم كلثوم تغني لاستقلال الكويت

وتبدو حكاية «يا دارنا يا دار» أكبر من مجرد أغنية وطنية نادرة في أرشيف أم كلثوم. فالقصيدة كتبها أحد رموز الثقافة الكويتية، ولحنها أحد كبار موسيقيي مصر، وأدتها أشهر مطربة عربية في سنوات كانت الكويت تؤسس فيها صورتها كدولة مستقلة. وبين استقلال 19 يونيو 1961، والاحتفال الأول في 19 يونيو 1962، وحفلات أم كلثوم في فبراير 1963، وتسجيل الأغنية عام 1964، ثم «أرض الجدود» عام 1966، يمكن قراءة فصل كامل من تاريخ العلاقة الثقافية المصرية الكويتية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى