
يحظر قانون العمل العراقي التحرش الجنسي داخل بيئة العمل، ولا يقتصر التجريم على الاعتداء الجسدي أو التصرفات المباشرة، بل يمتد إلى السلوكيات اللفظية والتصرفات ذات الطبيعة الجنسية التي تمس كرامة العامل أو العاملة، فضلًا عن الممارسات التي تحول مكان العمل إلى بيئة عدائية أو مهينة. ويمنح القانون المتضرر حق اللجوء إلى محكمة العمل، مع تقرير عقوبة تصل إلى الحبس مدة 6 أشهر وغرامة مالية لا تتجاوز مليون دينار عراقي، أو إحدى العقوبتين.
وتبرز أهمية هذه الأحكام بالنسبة إلى العاملين في القطاع الخاص وأصحاب المؤسسات والشركات، خصوصًا أن الحماية القانونية تشمل مراحل البحث عن الوظيفة والتدريب والتعيين، ولا تقتصر على الفترة التي يؤدي فيها الموظف مهامه اليومية. كما أن القانون لا يشترط أن يكون المتضرر امرأة، إذ تشمل الحماية النساء والرجال على حد سواء.

المادة 10 من قانون العمل العراقي تحظر التحرش الجنسي
نظم قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 الحماية من التحرش الجنسي في المادة العاشرة، التي تحظر هذه الممارسات في الاستخدام والمهنة، سواء خلال البحث عن العمل أو التدريب المهني أو التشغيل، أو فيما يتعلق بشروط العمل وظروفه.
ولا يتوقف الحظر عند الأفعال ذات الطبيعة الجنسية، بل يمتد إلى أي سلوك يؤدي إلى إنشاء بيئة عمل ترهيبية أو معادية أو مهينة للشخص المستهدف.
وحدد القانون مفهوم التحرش الجنسي بأنه أي سلوك جسدي أو شفهي ذي طبيعة جنسية، أو أي تصرف آخر يستند إلى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال، بشرط أن يكون غير مرغوب فيه وغير معقول ومهينًا لمن يتلقاه.
كما يتناول النص الحالة التي يؤدي فيها رفض الشخص لهذا السلوك، صراحة أو ضمنًا، إلى اتخاذ قرار يؤثر على وظيفته. ويعني ذلك أن استغلال الحاجة إلى الوظيفة أو التدريب أو الاستمرار في العمل لفرض سلوك غير مرغوب فيه يدخل ضمن نطاق الحماية التي يقررها القانون.
عقوبة التحرش الجنسي في العمل تصل إلى مليون دينار
حددت المادة 11 من قانون العمل العراقي العقوبة المقررة لمخالفة الأحكام الواردة في الفصل الثالث، والمتعلقة بتشغيل الأطفال والتمييز والعمل القسري والتحرش الجنسي.
وتنص المادة على معاقبة المخالف بالحبس مدة لا تزيد على 6 أشهر، وبغرامة لا تزيد على مليون دينار عراقي، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وبناءً على ذلك، فإن العقوبة ليست غرامة ثابتة قدرها مليون دينار في جميع الحالات، وإنما تمثل الحد الأقصى للغرامة التي أجازها النص. كذلك فإن الحبس قد يصل إلى 6 أشهر، لكنه ليس مدة إلزامية في كل واقعة.
ويتيح النص للمحكمة توقيع العقوبتين معًا أو الاكتفاء بإحداهما، وفق ما ينطبق على الواقعة والأدلة والظروف المعروضة أمامها.
ومن المهم التمييز بين الحد الأقصى للعقوبة والحكم الفعلي؛ فمجرد تقديم شكوى لا يعني صدور حكم تلقائي بالحبس أو الغرامة القصوى، إذ يتطلب الأمر بحث الوقائع والتحقق من توافر عناصر المخالفة.
الحالات التي يمكن أن تدخل ضمن التحرش الجنسي في العمل
لا يحصر قانون العمل العراقي التحرش في صورة واحدة، بل يعتمد تعريفًا يشمل السلوك الجسدي والشفهي وغيره من التصرفات القائمة على الجنس، متى توافرت الشروط الواردة في المادة العاشرة.
ومن صور السلوكيات التي قد تندرج ضمن هذا الإطار، بحسب تفاصيل الواقعة والأدلة:
-
توجيه عبارات أو تعليقات ذات طبيعة جنسية غير مرغوب فيها إلى أحد العاملين.
-
القيام بتصرفات أو حركات جسدية ذات دلالة جنسية تمس كرامة الموظف أو الموظفة.
-
الضغط على العامل لقبول سلوك غير مرغوب فيه مقابل الحصول على وظيفة أو الاستمرار فيها.
-
ربط الترقية أو تحسين شروط العمل أو بعض المزايا الوظيفية بالاستجابة لتصرفات ذات طبيعة جنسية.
-
ممارسة سلوك يؤدي إلى خلق بيئة عمل عدائية أو مهينة للشخص المستهدف.
ولا يعني ذلك أن كل خلاف بين الموظف ورئيسه أو كل تعليق غير لائق يثبت تلقائيًا جريمة التحرش وفق المادة العاشرة؛ بل يجب فحص طبيعة التصرف ومدى ارتباطه بالجنس وتأثيره على الكرامة، ومدى توافر الشروط القانونية.
كذلك لا يشترط النص أن يكون مرتكب السلوك صاحب العمل نفسه، إذ إن صياغة المادة 11 تتناول كل من يخالف الأحكام ذات الصلة، ما يستدعي النظر إلى دور الشخص المسؤول عن التصرف وطبيعة علاقته بالعمل والواقعة محل الشكوى.

حق العامل في تقديم شكوى أمام محكمة العمل
لم يكتف قانون العمل العراقي بحظر التحرش الجنسي، بل منح العامل حق اللجوء إلى محكمة العمل عند تعرضه لهذه الممارسة.
وتنص المادة 11 في فقرتها الأولى على حق العامل في التقدم بشكوى أمام محكمة العمل إذا تعرض لأي شكل من أشكال العمل الجبري أو التمييز أو التحرش في الاستخدام والمهنة.
ويمنح هذا النص المتضرر مسارًا قانونيًا للمطالبة بحقه، بدلًا من اعتبار الواقعة مجرد مشكلة إدارية داخل المؤسسة أو خلاف شخصي بين الموظفين.
ويُفضل عند التعرض للتحرش الاحتفاظ بالأدلة التي يمكن أن تساعد في توضيح الواقعة، ومنها:
-
الرسائل النصية والمحادثات الإلكترونية المرتبطة بالتصرف محل الشكوى.
-
رسائل البريد الإلكتروني أو المراسلات المهنية التي تتضمن عبارات أو ضغوطًا غير مقبولة.
-
أسماء الأشخاص الذين شاهدوا الواقعة أو لديهم معلومات مباشرة عنها.
-
المستندات التي توضح ارتباط السلوك بقرار وظيفي، مثل التعيين أو الترقية أو الاستمرار في العمل.
-
أي شكاوى أو مراسلات سابقة جرى تقديمها إلى إدارة المؤسسة بشأن الواقعة.
ويجب الحفاظ على الأدلة كما هي دون تعديل أو حذف، مع الاستعانة بمحامٍ عراقي أو جهة قانونية مختصة لمعرفة الإجراءات المناسبة لتقديم الشكوى والاختصاص القضائي في الحالة المعروضة.
حق الموظف في بيئة عمل خالية من التحرش
أكدت المادة 42 من قانون العمل العراقي حقوق العامل، ومن بينها التمتع ببيئة عمل خالية من التحرش، إلى جانب الحق في المساواة في فرص العمل والمعاملة، والحصول على الأجر مقابل العمل المؤدى، والعمل في ظروف آمنة وبيئة صحية.
ويعزز هذا النص مسؤولية بيئة العمل عن توفير ظروف تحترم كرامة العاملين، بدلًا من التعامل مع التحرش باعتباره سلوكًا فرديًا لا علاقة له بحقوق الموظف.
وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة في حالات استغلال السلطة الوظيفية، عندما يكون الشخص الذي يمارس السلوك غير المرغوب فيه مسؤولًا عن تقييم الموظف أو تحديد مهامه أو التأثير على مستقبله المهني.
كما أن الحماية لا تقتصر على الموظفين الذين حصلوا بالفعل على وظائف؛ فالمادة العاشرة تشمل البحث عن العمل والتدريب المهني، وهو ما يوسع نطاق الحماية ليشمل مراحل سابقة على التعيين.
الفرق بين التحرش في العمل والجرائم الأخرى في قانون العقوبات
من الضروري التمييز بين أحكام قانون العمل المتعلقة بالتحرش الجنسي وبين الجرائم التي يعالجها قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
فالمادة 402 من قانون العقوبات تتناول بعض الأفعال المخلة بالآداب، ومنها طلب أمور مخالفة للآداب من شخص آخر، أو التعرض لأنثى في مكان عام بأقوال أو أفعال أو إشارات على وجه يخدش الحياء، وتقرر لهذه الأفعال عقوبات مختلفة عن العقوبة الواردة في قانون العمل.
كما توجد نصوص أخرى تتعلق بالاعتداءات الجنسية بالإكراه، وهي وقائع تختلف في طبيعتها وأركانها القانونية عن التحرش في بيئة العمل.
وبالتالي، لا يصح اعتبار عقوبة الحبس 6 أشهر وغرامة مليون دينار سقفًا لجميع الجرائم ذات الطبيعة الجنسية في العراق؛ فهي العقوبة التي نصت عليها المادة 11 لمخالفة الأحكام المحددة في الفصل الثالث من قانون العمل، بينما قد تخضع الوقائع الأخرى لنصوص قانونية مختلفة بحسب طبيعتها.
وقد أوضح مجلس القضاء الأعلى العراقي في مادة منشورة بتاريخ 26 ديسمبر 2022 أن مصطلح التحرش لم يرد بوصفه تعريفًا عامًا في قانون العقوبات، مع وجود نصوص تعاقب على أفعال مخلة بالحياء، إلى جانب ورود التحرش الجنسي صراحة في قانون العمل.

موقف القانون من التحرش الجنسي في أماكن العمل
تؤكد أحكام قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 أن التحرش الجنسي ليس مسألة داخلية تترك لتقدير إدارة المؤسسة وحدها، بل سلوك محظور يرتبط بحقوق العامل وكرامته وسلامة بيئة العمل.
وتتمثل أبرز النقاط القانونية في حظر التحرش خلال البحث عن الوظيفة والتدريب والتشغيل، وشمول الحماية النساء والرجال، ومنح العامل حق تقديم شكوى أمام محكمة العمل، مع تقرير الحبس مدة تصل إلى 6 أشهر والغرامة التي تصل إلى مليون دينار عراقي أو إحدى العقوبتين.
وتظل العقوبة الفعلية مرتبطة بتكييف الواقعة والنص القانوني المنطبق عليها وما يثبت أمام المحكمة، خاصة إذا تداخلت الواقعة مع أفعال أخرى يجرمها قانون العقوبات العراقي.
اقرأ أيضا:
توثيق عقد العمل المصري في السعودية عبر «قوى».. كيف تتأكد من الراتب والمهنة قبل الموافقة؟
الإقامة الخضراء في الإمارات.. الشروط والمميزات والفئات المستفيدة
حجز قطار الحرمين السريع.. الخطوات والأسعار ومواعيد الرحلات
فترة الإشعار في عقد العمل السعودي وإنهاء التعاقد بعد 8 أشهر.. ماذا يحدث؟
زيارة الأم للسعودية بعد وفاة الزوج.. خطوات تسجيل الحالة الاجتماعية في طلب التأشيرة
ماذا يحدث في فترة مراجعة عقد العمل السعودي قبل الكشف الطبي وإجراءات التأشيرة؟
أسعار تأمين السيارات في السعودية 2026.. ما الذي قد يتغير؟
فيروس جديد ينقله القراد بأعراض تشبه الإنفلونزا.. ماذا نعرف عنه؟
ظاهرة فلكية تزين سماء السعودية خلال سبتمبر الجاري.. هل يمكن مشاهدتها؟





