مصريون في ذاكرة الخليج.. الحرب أغلقت مطار القاهرة ففتحت الكويت أبوابها لعبدالحليم حافظ

لم تبدأ علاقة عبدالحليم حافظ بالكويت بحفل مرتب له مسبقًا، ولا بدعوة للمشاركة في مناسبة وطنية، بل صنعتها واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ المنطقة.

كان “العندليب الأسمر” موجودًا في بيروت عام 1956 عندما اندلعت حرب السويس، المعروفة في مصر بالعدوان الثلاثي، وتعذر عليه العودة إلى القاهرة بعد إغلاق المطار بسبب ظروف الحرب. وهنا تغير مسار الرحلة: بدلًا من القاهرة، توجه عبدالحليم إلى الكويت، لتبدأ علاقة فنية امتدت لاحقًا لسنوات وتركت تسجيلات تعد اليوم جزءًا من الذاكرة الفنية الكويتية. وتوثق “الأهرام” أن زيارة عام 1956 كانت الأولى لعبدالحليم إلى الكويت، وأنه بقي هناك حتى هدأت الأوضاع وأعيد فتح مطار القاهرة.

عبد الحليم حافظ يرفع صورة أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم والزعيم جمال عبد الناصر حصريا في تراث عبد الحليم حافظ | Arab celebrities, Kuwait, Historical figures

الكويت عام 1956.. أكثر من محطة اضطرارية

تكتسب الرحلة معنى أكبر عند وضعها في سياق ذلك العام؛ فالكويت نفسها كانت من الدول والمجتمعات العربية التي ساندت مصر خلال أزمة العدوان الثلاثي، وهو موقف تؤكده وكالة الأنباء الكويتية “كونا” ضمن توثيقها للمحطات التاريخية في العلاقات بين البلدين.

ولذلك لم يصل عبدالحليم إلى مكان بعيد عن أجواء الأزمة المصرية، بل إلى بلد كانت فيه القضية المصرية حاضرة بقوة.

وتقول رواية “الأهرام” إن عبدالحليم فوجئ بالاستقبال الحار الذي حظي به في الكويت، وظل هناك حتى هدأت الحرب وأصبح في إمكانه العودة إلى مصر.

واللافت أن هذه الزيارة سبقت استقلال الكويت بنحو خمس سنوات؛ إذ كانت الكويت آنذاك لا تزال في مرحلة ما قبل إنهاء اتفاقية الحماية البريطانية، قبل أن توقع وثيقة استقلالها في 19 يونيو 1961 في عهد الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح.

عاد بعد الاستقلال.. وهذه المرة ليغني للكويت

لو كانت زيارة 1956 مجرد نتيجة لإغلاق المطار لانتهت الحكاية بمجرد عودة الرحلات إلى القاهرة، لكن السنوات التالية أثبتت أن ما حدث كان بداية علاقة أطول.

بعد استقلال الكويت، عاد عبدالحليم للمشاركة في مناسباتها الفنية والوطنية، وقدم مجموعة من الأعمال التي ارتبط اسمها بالبلاد.

وتوثق “الأهرام” أن العندليب قدم أربع أغنيات وطنية للكويت من ألحان الموسيقار المصري كمال الطويل، من بينها “من الجهرة للسالمية” عام 1963 من كلمات الشاعر المصري محمد حمزة، إلى جانب “ليالي العيد” و”خدني معاك” و”يا كويت يا حبيبة”.

وتوجد كذلك تسجيلات لحفل عبدالحليم في مسرح سينما الأندلس بالكويت عام 1963، حيث قدم “من الجهرا للسالمية”، في واحدة من أبرز الوثائق الصوتية التي تؤكد حضوره الفني بالكويت في تلك المرحلة.

مصريون في ذاكرة الخليج.. حين دخلت الجهرة والسالمية أغنية عبدالحليم

لم يكن اختيار اسم “من الجهرة للسالمية” تفصيلًا عابرًا، فالأغنية حملت أسماء مناطق كويتية إلى جمهور عربي واسع بصوت أحد أشهر مطربي القرن العشرين.

وجاءت الأغنية في مرحلة كانت الكويت تبني خلالها مؤسسات الدولة الحديثة بعد الاستقلال؛ إذ صدر الدستور في نوفمبر 1962، وافتتح أول مجلس أمة عام 1963، كما انضمت الكويت إلى الأمم المتحدة في مايو من العام نفسه لتصبح العضو رقم 111. 

وهكذا لم يكن عبدالحليم يؤدي أغنية عن مكان بعيد، بل كان يغني لبلد يمر بمرحلة تأسيس سياسية واجتماعية جديدة، بعد سنوات قليلة فقط من الرحلة الاضطرارية التي قادته إليه.

التجربة الأندر.. عبدالحليم يغني باللهجة الكويتية

لكن الفصل الأكثر خصوصية في علاقة العندليب بالكويت لم يكن أغنياته الوطنية فقط.

فقد خاض عبدالحليم تجربة نادرة بالغناء باللهجة الكويتية، وقدم أعمالًا من بينها “يا هلي”، و”عيني ضناها السهر”، و”يا فرحة السمار”، وهي تجربة وصفتها مصادر توثيقية بأنها الاستثناء الأبرز من هيمنة اللهجة المصرية على مسيرته الغنائية.

وتوضح صحيفة “الأنباء” الكويتية أن أغنية “يا هلي” كتبها الشاعر الكويتي وليد جعفر ولحنها عبدالحميد السيد، وأن عبدالحليم غناها خلال زيارته للكويت عام 1965، ضمن توجه كان يستهدف المساهمة في انتشار الأغنية الكويتية عربيًا من خلال أصوات كبار المطربين.

ولم يكتف العندليب بالتسجيل الصوتي، إذ يؤكد مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي أن “يا هلي” صُورت لصالح تلفزيون الكويت عام 1965، لتصبح علاقة عبدالحليم بالبلاد جزءًا من الأرشيف المرئي أيضًا، لا مجرد ذكريات حفلات.

الكويت تحفظ صوت العندليب

احتفظ تلفزيون الكويت بعدد من تسجيلات عبدالحليم، حتى إن العلاقة بين الطرفين صنعت مفاجآت بعد رحيله بعقود.

وتذكر “الأهرام” أن أغنية “يا كويت يا حبيبة”، التي نسبت كلماتها إلى مرسي جميل عزيز وألحانها إلى كمال الطويل، بقيت ضمن الأرشيف قبل أن يفرج عنها التلفزيون الكويتي بالتزامن تقريبًا مع مرور 40 عامًا على وفاة العندليب.

وحتى بعد مرور عقود على وفاته في 30 مارس 1977، لا تزال المؤسسات الثقافية الكويتية تقدم علاقته بالكويت باعتبارها “حكاية حب متعددة الفصول”، بحسب وصف مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي، الذي أعاد تقديم أعماله في حفلات حديثة واستحضر الأغنيات الكويتية ضمن إرثه الفني.

طائرة لم تصل إلى القاهرة.. وحكاية استمرت عقودًا

ربما كانت المفارقة الأكبر في القصة أن بدايتها لم تكن فنية أصلًا.

الحرب أغلقت طريق عبدالحليم إلى القاهرة عام 1956، فاختار الكويت محطة بديلة؛ لكن المحطة المؤقتة تحولت إلى علاقة امتدت من حفلات وأغنيات وطنية إلى أعمال باللهجة الكويتية وتسجيلات خاصة لتلفزيون الكويت.

وبين “من الجهرة للسالمية” و”يا هلي” وغيرها من الأعمال، لم تعد الكويت مجرد البلد الذي لجأ إليه العندليب انتظارًا لفتح مطار القاهرة، بل أصبحت واحدة من المحطات الخليجية الأكثر خصوصية في مسيرته.

وهكذا صنعت الحرب صدفة فنية طويلة العمر: أُغلق مطار القاهرة، فتوجه عبدالحليم إلى الكويت، ثم عاد إليها باختياره مرات أخرى، تاركًا خلفه صوتًا ما زال حاضرًا في أرشيفها وذاكرتها الثقافية حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى