مصريون في ذاكرة الخليج.. المصري الذي لحن موسيقى يسمعها كل إماراتي

يمثل الفنان والملحن المصري سعد عبدالوهاب واحدًا من أبرز الأسماء المصرية التي تركت بصمة ممتدة في الذاكرة الثقافية لدول الخليج، بعدما ارتبط اسمه بلحن السلام الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي تحول على مدار أكثر من نصف قرن إلى أحد أهم الرموز الرسمية للدولة.

ورغم أن سعد عبدالوهاب عرف في مصر مطربًا وممثلًا، وقدم مجموعة من الأغنيات والأفلام خلال خمسينيات القرن الماضي، فإن أحد أهم أعماله جاء بعيدًا عن السينما المصرية، عندما وضع اللحن الذي أصبح فيما بعد موسيقى السلام الوطني الإماراتي «عيشي بلادي».

19 2025 638856598638020500 802

من السينما المصرية إلى الخليج

ولد سعد عبدالوهاب في 16 يونيو 1926، وهو ابن شقيق الموسيقار محمد عبدالوهاب، وتخرج في كلية الزراعة بجامعة القاهرة عام 1949، قبل أن يعمل لفترة في الإذاعة المصرية.

وانتقل بعد ذلك إلى عالم السينما والغناء، وشارك في عدد من الأفلام، من بينها «العيش والملح» و«أختي ستيتة» و«أماني العمر» و«علموني الحب»، كما قدم مجموعة من الأغنيات التي ظلت حاضرة في ذاكرة الموسيقى المصرية، أبرزها «الدنيا ريشة في هوا».

ومع ابتعاده تدريجيًا عن السينما، انتقل سعد عبدالوهاب للعمل في عدد من الدول العربية، قبل أن يستقر لفترة في دولة الإمارات، حيث عمل في المجال الموسيقي والإذاعي، وارتبط اسمه بالأغنية الوطنية الإماراتية.

لحن ارتبط بقيام الاتحاد

جاء وجود سعد عبدالوهاب في الإمارات خلال مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ الدولة، بالتزامن مع تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971، وبدء تشكيل المؤسسات والرموز الوطنية للدولة الجديدة.

وتشير المعلومات الرسمية الإماراتية إلى أن السلام الوطني جرى تفعيله في صورة معزوفة موسيقية في أواخر عام 1971، وأن سعد عبدالوهاب هو صاحب اللحن الذي اعتمد لهذا الغرض.

ومنذ ذلك الوقت بدأ اللحن يستخدم في المناسبات الرسمية واحتفالات الدولة، ليصبح مع مرور السنوات جزءًا ثابتًا من المشهد الوطني الإماراتي.

201831899 1722815047902764 5211422372070075036 n

سنوات بلا كلمات

ولم يكن السلام الوطني الإماراتي في بدايته مصحوبًا بكلمات، إذ ظل لسنوات طويلة معزوفة موسيقية فقط تُعزف خلال المناسبات والمراسم الرسمية.

واستمر الوضع على هذا النحو لنحو 15 عامًا، حتى تقرر إضافة كلمات إلى اللحن في عام 1986.

ووقع الاختيار على الشاعر الإماراتي عارف الشيخ عبدالله الحسن لكتابة الكلمات، التي بدأت بعبارة «عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا»، لتتحول المعزوفة بعد ذلك إلى السلام الوطني المعروف حاليًا.

وظل لحن سعد عبدالوهاب كما هو، لتضاف إليه الكلمات الجديدة دون تغيير جوهره الموسيقي.

«عيشي بلادي».. عمل مصري إماراتي

وجمع السلام الوطني الإماراتي بذلك بين لحن وضعه موسيقار مصري وكلمات كتبها شاعر إماراتي، ليصبح العمل واحدًا من أبرز النماذج الثقافية التي تعكس امتداد الحضور الفني المصري في منطقة الخليج.

ومع مرور العقود، أصبح اللحن حاضرًا في المدارس والاحتفالات والمناسبات الوطنية والمراسم الرسمية، ويرتبط لدى الإماراتيين برفع العلم والاحتفال باليوم الوطني والمناسبات الكبرى.

أثر يتجاوز السينما والغناء

تبدو أهمية تجربة سعد عبدالوهاب في الإمارات مختلفة عن مسيرته الفنية التقليدية، إذ تجاوز أثره حدود الأغنيات والأفلام التي قدمها، وتحول أحد ألحانه إلى جزء من الهوية الرسمية لدولة عربية.

ورغم مرور عقود على وضع اللحن، فإن ملايين الأشخاص في الإمارات ما زالوا يسمعونه بصورة منتظمة في المناسبات الوطنية، بينما قد لا يعرف كثيرون أن صاحبه فنان مصري بدأ مشواره من الإذاعة والسينما في القاهرة.

47 090743 640x

وتوفي سعد عبدالوهاب في نوفمبر 2004 بعد سنوات من الابتعاد عن الأضواء، إلا أن اللحن الذي وضعه بقي حاضرًا، ليربط اسمه إلى اليوم بواحد من أهم الرموز الوطنية في الإمارات.

وتقدم قصة سعد عبدالوهاب نموذجًا بارزًا للقوة الناعمة المصرية في الخليج، حيث لم يقتصر تأثير الفنانين المصريين على السينما أو المسرح أو الأغنية، وإنما امتد في بعض الحالات إلى صناعة رموز بقيت جزءًا من الذاكرة الوطنية لدول المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى