
لم تكن زيارة المسرحي المصري زكي طليمات إلى الكويت عام 1958 بداية المسرح في البلاد، فالكويت عرفت النشاط المسرحي قبل وصوله بعقود، خصوصًا عبر المدارس منذ عشرينيات القرن الماضي، ثم من خلال المسرح المدرسي والفرق الكشفية و«المسرح الشعبي».
لكن ما فعله طليمات كان مختلفًا حيث ساهم في نقل جانب مهم من النشاط المسرحي من مرحلة الهواية والارتجال إلى مرحلة التنظيم والتدريب والعمل المؤسسي.

4 يناير 1958.. بداية الرحلة
وصل زكي طليمات إلى الكويت في زيارة امتدت، وفق دراسة وثائقية للباحث سيد علي إسماعيل نشرتها جريدة «مسرحنا» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، من 4 يناير حتى 19 مارس 1958، أي شهرين وبضعة أيام. وتدعم الدراسة تاريخ الوصول بإحالة إلى جريدة «الجمهورية» المصرية الصادرة في 15 يناير من العام نفسه.
كان لطليمات خلال تلك الإقامة مساران متوازيان؛ الأول جاء في إطار نشاط دائرة المعارف، حيث قدم محاضرتين عن المسرح وعرضًا مسرحيًا استعراضيًا، أما الثاني فكان أكثر تأثيرًا على المدى البعيد، إذ كلفته دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل بدراسة الواقع الفني والمسرحي في الكويت واقتراح سبل تطويره.
ويسجل المسرحي الكويتي عبدالعزيز السريع، في شهادة لاحقة، أنه حضر محاضرتي طليمات عام 1958 ضمن الموسم الثقافي الذي كانت تنظمه دائرة المعارف، مؤكدًا أن زيارة المسرحي المصري ارتبطت أيضًا بإعداد تقرير عن الحالة المسرحية وكيفية تطويرها.
التقرير الذي انتظر 3 سنوات
لم يكتب طليمات تقريرًا وصفيًا عن العروض الموجودة فحسب، بل قدم تصورًا لتطوير النشاط الفني، متناولًا مظاهر الحركة الفنية في الكويت والإمكانات المتاحة وسبل دعمها والارتقاء بها. وأصبح التقرير لاحقًا إحدى الوثائق المهمة في دراسة تاريخ المسرح الكويتي، ونُشر ضمن كتاب «المسرح في الكويت: مقالات ووثائق» لخالد سعود الزيد، الصادر عام 1983.
واللافت أن التقرير لم ينتهِ إلى أحد الأدراج. تشير الوثائق إلى أن المسؤولين الكويتيين ظلوا يدرسون مقترحاته قرابة ثلاثة أعوام، إلى أن بدأ التحرك لتنفيذها في أبريل 1961. وكانت جريدة «الرسالة» الكويتية قد نشرت في عددها الصادر بتاريخ 6 أبريل 1961 خبرًا يفيد باستدعاء طليمات للإشراف على تكوين فرقة للتمثيل والموسيقى.
هنا تحولت زيارة 1958 من مهمة استشارية إلى مشروع فعلي.
حمد الرجيب.. حلقة الوصل بين القاهرة والكويت
لا يمكن قراءة تجربة زكي طليمات في الكويت بمعزل عن اسم الرائد الكويتي حمد عيسى الرجيب، الذي لعب دورًا محوريًا في تطوير المسرح والفنون في البلاد.
وكان الرجيب قد درس الفن المسرحي في القاهرة وتتلمذ على يد طليمات، ثم تولى موقعًا إداريًا مؤثرًا في دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل، ما جعله أحد أبرز الداعمين لفكرة بناء حركة مسرحية منظمة في الكويت. وتصف مجلة «العربي» التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب دوره بأنه كان «حاسمًا» في رسم مستقبل المسرح والموسيقى الكويتية خلال تلك المرحلة.
وفي مايو 1961، وبعد عودته إلى الكويت، أوضح طليمات في حوار نشرته جريدة «الرسالة» في 4 مايو 1961 أن المهمة الجديدة تستهدف تكوين فرقة مسرحية تقدم أعمالًا عربية باللغة الفصحى، ضمن مشروع أكثر تنظيمًا للحركة المسرحية.
10 أكتوبر 1961.. ولادة «المسرح العربي»
بعد نحو خمسة أشهر من العمل والتخطيط، صدر في 10 أكتوبر 1961 قرار إنشاء فرقة المسرح العربي، وهو التاريخ الذي تؤكده دراسات ووثائق مسرحية كويتية وشهادات عدد من رواد الفرقة أنفسهم.
لكن القرار سبق اكتمال أعضاء الفرقة، لذلك بدأت حملة للبحث عن المواهب. وبحسب الوثائق التي نشرتها «مسرحنا»، توسعت الدعوات عبر الإذاعة والصحف ودور السينما والتلفزيون، وتقدم نحو 150 شابًا من الكويتيين والعرب المقيمين في البلاد.
وفي 2 نوفمبر 1961 بدأت اختبارات لبعض المتقدمين في مركز رعاية الفنون الشعبية، أمام لجنة ضمت زكي طليمات ومحمد النشمي ومحمد همام الهاشمي. ولم تعتمد الاختبارات على الحضور أو الموهبة الفطرية وحدهما، بل شملت تقييم الإلقاء والانفعال والقدرة على النطق السليم وجهارة الصوت، في مؤشر إلى التحول نحو تدريب أكثر منهجية.
أسماء ستصبح لاحقًا رموزًا خليجية
خرجت من تلك التجربة مجموعة من الأسماء التي تحولت لاحقًا إلى ركائز أساسية في الفن الكويتي والخليجي، ومن بينها عبدالحسين عبدالرضا، سعد الفرج، خالد النفيسي، غانم الصالح، عبدالرحمن الضويحي، مريم الصالح ومريم الغضبان.
ويمنح الفنان محمد جابر صورة مباشرة عن تلك المرحلة؛ إذ روى لاحقًا نجاحه في اختبار زكي طليمات، كما تحدث سعد الفرج عن نفسه باعتباره أحد أعضاء الفرقة المؤسسين، وهو ما يكشف أن المشروع لم يكن مجرد إنشاء فرقة حكومية، بل مساحة تدريب صنعت جيلًا كاملًا من الممثلين.
وكان دخول مريم الصالح ومريم الغضبان إلى الفرقة محطة مهمة كذلك، إذ ارتبط اسماهما ببدايات الحضور النسائي الكويتي في العروض المسرحية المنظمة للفرقة.
«صقر قريش».. أول اختبار حقيقي
جاء أول اختبار كبير للمشروع مع مسرحية «صقر قريش»، من تأليف محمود تيمور وإخراج زكي طليمات، والتي قدمت على مسرح ثانوية الشويخ.
وتحدد الدراسة الوثائقية المنشورة في «مسرحنا»، إلى جانب شهادات فنانين شاركوا في التجربة، 18 مارس 1962 موعدًا لأول عرض، وهو التاريخ الذي تذكره كذلك قواعد بيانات فنية ومصادر صحفية كويتية. وشارك في العمل عدد من الأسماء التي ستصبح لاحقًا من أشهر نجوم الكويت والخليج.
وهناك اختلاف محدود في المصادر حول تاريخ العرض الأول؛ إذ تشير مادة منشورة في مجلة «العربي» إلى فبراير 1962، بينما تعطي الوثائق التي اعتمد عليها الباحث سيد علي إسماعيل، وشهادات المشاركين وقواعد بيانات العرض، تاريخ 18 مارس 1962. لذلك يبدو 18 مارس 1962 التاريخ الأكثر توثيقًا عند المقارنة بين المصادر المتاحة.
لم يؤسس المسرح الكويتي من الصفر
ومن المهم عند استعادة هذه القصة تجنب اختزال تاريخ المسرح الكويتي في وصول زكي طليمات وحده.
فالكويت عرفت عروضًا مسرحية مدرسية مبكرة، وتذكر مجلة «العربي» أن الشيخ عبدالعزيز الرشيد قدم مع طلابه عام 1924 عملًا بعنوان «محاورة إصلاحية»، كما نشط حمد الرجيب ومحمد النشمي وآخرون في المسرح خلال الأربعينيات والخمسينيات، وشكل النشمي «فرقة الكشاف الوطني المسرحية» عام 1954 قبل تحولها إلى «المسرح الشعبي».
لذلك تبدو القيمة التاريخية لطليمات أدق إذا قيل إنه كان أحد أبرز مهندسي الانتقال إلى المسرح الكويتي المؤسسي الحديث، لا أنه الشخص الذي بدأ المسرح في الكويت من نقطة الصفر.
لقد قدم خبرته في التعليم والإخراج، ووضع دراسة لتطوير الحركة الفنية، ثم عاد بنفسه للمشاركة في تنفيذها وتدريب جيل من الممثلين.





