من قلب أخطر ليلة في الحرم إلى سنوات الصمت.. من هو اللواء فالح الظاهري؟

رحل اللواء الركن المتقاعد فالح بن محمد الظاهري، أحد الأسماء العسكرية السعودية التي ارتبطت بواحدة من أصعب الوقائع في التاريخ الحديث للمملكة، بعدما برز اسمه خلال عملية تطهير المسجد الحرام من جماعة جهيمان العتيبي في محرم 1400هـ الموافق عام 1979، قبل أن يواصل مسيرة عسكرية تولى خلالها عددًا من المواقع القيادية المهمة.

وأعادت وفاة اللواء فالح الظاهري إلى الواجهة سيرته التي ظل جانب كبير منها بعيدًا عن الأضواء، رغم ارتباطه المباشر بأحداث الحرم المكي التي لا تزال بعد مرور عقود واحدة من أبرز المحطات الأمنية والعسكرية في تاريخ السعودية الحديث.

ونشرت صحيفة «المدينة» السعودية في 10 سبتمبر 2026 نعي فالح بن محمد بن مناور الظاهري، موضحة أن الصلاة عليه تقام في جامع القريقري بجدة، وأن الدفن يكون في المقبرة المجاورة، فيما اقتصر العزاء على المقبرة تنفيذًا لوصيته، في تفصيل بدا متسقًا مع شخصية عسكرية فضلت طوال سنوات طويلة الابتعاد عن الاستعراض الإعلامي.

من هو اللواء فالح الظاهري؟

ولد فالح بن محمد الظاهري في مكة المكرمة، وتشير المواد التي وثقت سيرته العسكرية إلى أنه نشأ في مدينة أبها بسبب تنقلات والده العسكرية، وأكمل دراسته هناك قبل أن يلتحق بالمدرسة العسكرية في الطائف، في المرحلة السابقة لنقلها إلى الرياض وتحولها إلى كلية عسكرية.

وتذكر سيرة نشرتها «أخبار 24» عند إعادة تداول وثائق مرتبطة به عام 2019 أنه تخرج في المدرسة العسكرية بالطائف، ثم مضى في سلم العمل العسكري حتى أصبح أحد القادة في القوات المسلحة السعودية.

ولم يكن دخوله المؤسسة العسكرية بعيدًا تمامًا عن البيئة التي نشأ فيها؛ إذ تشير سيرته المتداولة إلى أن والده خدم هو الآخر في الجيش السعودي، وهو ما جعل الحياة العسكرية حاضرة في أسرته منذ سنوات مبكرة.

ومع تقدمه في الخدمة تولى الظاهري عدة مواقع عسكرية، قبل أن يرتبط اسمه على نطاق أوسع بأحداث المسجد الحرام التي اندلعت في نهاية عام 1979، وكان وقتها يحمل رتبة عميد ركن.

فجر الأول من محرم.. اليوم الذي دخل التاريخ

بدأت حادثة المسجد الحرام فجر الأول من محرم 1400هـ، الموافق 20 نوفمبر 1979، عندما سيطرت جماعة مسلحة بقيادة جهيمان العتيبي على المسجد الحرام بعد صلاة الفجر، وقدمت محمد بن عبدالله القحطاني على أنه «المهدي المنتظر».

وتشير الوثائق التاريخية المعاصرة للواقعة إلى أن المهاجمين أدخلوا أسلحة وذخائر إلى المسجد قبل تنفيذ عمليتهم، ثم أغلقوا مداخله وانتشر مسلحون في أجزاء مختلفة منه، بما فيها مواقع مرتفعة، لتدخل مكة واحدة من أصعب اللحظات الأمنية في تاريخها الحديث.

وتصف «سعوديبيديا» الواقعة بأنها المرة الوحيدة في العصر السعودي التي أُغلق فيها المسجد الحرام إغلاقًا كاملًا لنحو أسبوعين نتيجة حادث أمني، حفاظًا على أرواح المصلين خلال التعامل مع المسلحين.

كانت حساسية العملية بالغة؛ فالمواجهة تجري داخل أقدس بقاع المسلمين، وهناك مدنيون داخل الحرم، بينما تحصن المسلحون في مواقع يصعب التعامل معها بالأساليب التقليدية.

وسط هذه الظروف ظهر اسم العميد الركن فالح الظاهري ضمن القيادة العسكرية للقوات المكلفة بالمشاركة في استعادة السيطرة على المسجد الحرام.

فالح الظاهري وقيادة عملية تطهير الحرم

ظل توصيف دور فالح الظاهري في العملية محل إشارات متعددة في المواد الصحفية والتاريخية، إلا أن شهادة للأمير تركي الفيصل حسمت جانبًا مهمًا من هذه المسألة.

ففي حديث أعادت «أخبار 24» نشر تفاصيله عام 2020، أوضح الأمير تركي الفيصل أن قيادة القوات التي عملت على تحرير الحرم أُسندت إلى فالح الظاهري من القوات المسلحة، نافيًا روايات خارجية نسبت قيادة العملية إليه شخصيًا.

كما وصفت «أخبار 24» الظاهري في تقرير سابق بأنه قائد عملية تحرير الحرم بعد فتنة جهيمان، وهو الوصف الذي ارتبط به في عدد كبير من المواد السعودية التي استعادت الواقعة بعد مرور عقود.

أما الصحفي السعودي المخضرم خالد الحسيني، الذي غطى أحداث محرم 1400هـ، فقد تذكر أنه أجرى خلال تلك الفترة حوارًا مع اللواء فالح الظاهري باعتباره أحد قادة عملية التطهير، إلى جانب مقابلات مع أئمة المسجد الحرام وشخصيات عاصرت الحدث.

وعادت صحيفة «مكة» عام 2025 إلى أرشيف الحسيني، مشيرة إلى الحوار القديم مع الظاهري، وإلى لقاء آخر جمع الصحفي بالقائد العسكري بعد أربعة عقود من الأحداث في منزله بمكة المكرمة.

تسجيل نادر.. الظاهري يشرح الخطة بنفسه

من أهم المواد التي بقيت عن فالح الظاهري تسجيل تلفزيوني قديم يتحدث خلاله بنفسه عن العملية.

ويظهر الظاهري في المقطع وهو يستخدم خريطة لشرح كيفية التحرك داخل المسجد الحرام والتعامل مع المسلحين، وهي مادة أرشيفية ظلت متداولة لسنوات، وأعاد برنامج «الليوان» عرض جزء منها في 2024.

وفي التسجيل وصف الظاهري طبيعة المواجهة بأنها أقرب إلى حرب ضد مجموعات مسلحة غير نظامية، موضحًا أن القيادة وضعت خطة لاقتحام الأجزاء السفلية مع مراعاة مجموعة من الأهداف، من بينها محاولة القبض على أكبر عدد ممكن من المسلحين أحياء.

وتكشف تلك الكلمات عن واحدة من أكبر صعوبات العملية؛ فلم يكن المطلوب فقط الانتصار عسكريًا، وإنما القيام بذلك داخل المسجد الحرام مع تقليل الخسائر والمحافظة قدر الإمكان على الموقع ومن يوجد داخله.

ومع تقدم القوات في الأدوار العليا، تراجع جزء من المجموعة المسلحة إلى الممرات والبدرومات أسفل المسجد، وهي المرحلة التي أصبحت من أكثر مراحل المواجهة تعقيدًا. وتشير وثائق أمريكية معاصرة إلى استمرار مجموعة من المسلحين في التحصن داخل الشبكة المعقدة من الأجزاء السفلية للحرم في الأيام الأخيرة من نوفمبر 1979.

من الأدوار العليا إلى القبو.. أصعب مراحل المواجهة

استعادت شهادات عدد من المشاركين لاحقًا صعوبة الانتقال من تحرير الأدوار والمواقع المكشوفة إلى التعامل مع المسلحين المتحصنين في البدرومات.

وفي حلقة من برنامج «الليوان» عام 2024، قدم عبدالعزيز بن فالح الظاهري، نجل القائد العسكري، رواية موسعة لأيام الحادث، مستندًا إلى ما عرفه عن تجربة والده وإلى الوثائق المرتبطة بالعملية.

وتحدث عبدالعزيز عن انتقال المواجهات تدريجيًا إلى الأجزاء السفلية، كما روى تفاصيل دخول الأمير سلطان بن عبدالعزيز والأمير نايف بن عبدالعزيز إلى الأجزاء التي أصبحت آمنة من المسجد الحرام لمعاينة الوضع قبل استكمال التخطيط للمرحلة الأخيرة في القبو.

وتكشف شهادات عسكريين آخرين شاركوا في العملية أن القوات كانت تعمل وسط إطلاق النار وفي بيئة شديدة التعقيد. وروى اللواء محمد النفيعي لاحقًا أنه أمضى أيامًا دون نوم تقريبًا خلال المواجهات، وأن عمليات استطلاع سبقت وضع الخطة اللازمة للتعامل مع المواقع التي كان المسلحون يتحصنون فيها.

وبعد نحو أسبوعين انتهت السيطرة المسلحة على المسجد الحرام وألقي القبض على جهيمان وعدد من أتباعه، بينما قتل آخرون خلال المواجهات.

قصة الإجازة القصيرة.. رواية ظهرت بعد رحيله

ومع إعلان وفاة فالح الظاهري، أعاد الكاتب والباحث السعودي منصور العساف تداول رواية إنسانية لافتة عن بداية ارتباطه بالعملية.

وبحسب الرواية التي نسبها العساف إلى سيرة الظاهري، كان العميد فالح في إجازة قصيرة بمكة المكرمة عند بدء الأحداث، وخرج صباحًا للحصول على بعض الاحتياجات استعدادًا لتناول الإفطار مع والدته.

وتضيف الرواية أنه شاهد قوات الأمن والتطويق والارتباك حول منطقة الحرم، فعرف بنفسه وطلب مقابلة الأمير سلطان بن عبدالعزيز، الذي كان قد وصل إلى مكة برفقة الأمير نايف، قبل أن يتلقى تكليفًا بالانضمام إلى القيادة والعمل في العملية.

وبحسب الرواية ذاتها، لم يغادر الظاهري ميدان المهمة بعد ذلك حتى اكتمال استعادة جميع مرافق المسجد الحرام.

لكن من المهم عند تناول هذه الجزئية صحفيًا الإشارة إلى أنها رواية منشورة بعد وفاته وليست جزءًا من بيان رسمي معاصر للحادثة، وهو ما يفرقها عن حقيقة مشاركته وقيادته للقوات التي تدعمها مصادر وشهادات مستقلة أخرى.

«لن أنسى تضحياتكم».. رسالة الأمير سلطان إلى فالح الظاهري

بعد انتهاء أحداث الحرم بقيت وثيقة تحمل تقديرًا مباشرًا لدور فالح الظاهري، وعادت إلى التداول على نطاق واسع بعد نحو أربعين عامًا.

في مايو 2019 نشرت «سبق» صورة خطاب موجه إلى العميد ركن فالح محمد الظاهري يحمل اسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران والمفتش العام آنذاك.

ويشكره الأمير سلطان في الخطاب على الجهد الذي قدمه خلال مواجهة أحداث الحرم، مؤكدًا تقديره لما أظهره من تضحية وروح عالية أثناء المهمة.

وظهرت إلى جانب الخطاب وثائق وتكريمات أخرى مرتبطة بالرجال الذين شاركوا في استعادة المسجد الحرام، بينما أشارت المادة نفسها إلى خطابات حملت أسماء الأمير نايف بن عبدالعزيز والأمير عبدالله بن عبدالعزيز.

تكتسب هذه الأوراق أهميتها لأنها ليست مجرد ذكريات يرويها أشخاص بعد مرور عقود؛ بل أثر مكتوب من المرحلة نفسها يكشف كيف قيّمت القيادة السعودية دور العسكريين الذين شاركوا في المهمة.

لماذا ظل فالح الظاهري بعيدًا عن الإعلام؟

رغم الثقل التاريخي للحادثة، لم يتحول فالح الظاهري بعد تقاعده إلى ضيف دائم في البرامج الوثائقية.

بقيت المقابلات المسجلة معه محدودة، بينما كانت كثير من التفاصيل تُستعاد عبر زملائه أو الصحفيين الذين قابلوه أو أفراد أسرته.

وتداول الباحث منصور العساف بعد وفاته أن الظاهري كان يرفض الكثير من طلبات الاستضافة الصحفية والتلفزيونية، وينظر إلى ما قام به باعتباره واجبًا عسكريًا ووطنيًا لا بطولة شخصية تحتاج إلى الحديث عنها باستمرار.

ويبدو ذلك متسقًا مع محدودية حضوره الإعلامي خلال العقود التالية، رغم أن اسمه كان يعود إلى الواجهة كلما استُعيدت أحداث 1979 في عمل وثائقي أو درامي أو مناسبة تاريخية.

حتى عندما عاد الصحفي خالد الحسيني إلى لقائه بعد مرور أربعة عقود، كانت قيمة الصورة التي جمعتهما في منزل الظاهري نابعة من ندرة ظهوره أكثر من كونها لقاءً إعلاميًا متكررًا.

بعد أحداث الحرم.. مواقع عسكرية بارزة

لم تنته مسيرة فالح الظاهري عند الحادثة التي اشتهر اسمه بها.

تذكر المصادر السعودية أنه تولى بعد ذلك قيادة المنطقة الشمالية الغربية في تبوك خلال عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، وهي واحدة من المناطق العسكرية المهمة في المملكة.

كما تولى لاحقًا قيادة كلية الملك عبدالعزيز الحربية، إحدى أبرز المؤسسات المعنية بإعداد ضباط القوات البرية السعودية.

وتشير السير التي وثقت مسيرته إلى أنه عمل أيضًا في مجالات التدريب وقيادة الوحدات العسكرية قبل وصوله إلى هذه المناصب، لتكون حادثة الحرم محطة استثنائية داخل مسيرة عسكرية أطول، وليست المهمة الوحيدة التي أداها.

هذه النقطة مهمة عند كتابة سيرته؛ فاختزال الرجل في عملية واحدة، مهما بلغت أهميتها، يحجب عقودًا من العمل العسكري سبقت محرم 1400هـ وتلته.

الابن يكمل الطريق.. وليد الظاهري قائدًا لدرع الجزيرة

ومن التفاصيل اللافتة في عائلة فالح الظاهري أن الحياة العسكرية لم تتوقف عند جيل الأب.

فقد وصل ابنه اللواء الركن وليد بن فالح الظاهري إلى قيادة قوات درع الجزيرة المشتركة التابعة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وتوثق الأمانة العامة لمجلس التعاون أن الأمين العام آنذاك عبداللطيف الزياني استقبل اللواء الركن وليد الظاهري في 22 نوفمبر 2017 بمناسبة تسلمه مهامه قائدًا لقوات درع الجزيرة المشتركة.

كما وثقت الأمانة العامة في فبراير 2018 وجوده على رأس قوات درع الجزيرة خلال زيارة لمسؤولي الشؤون العسكرية إلى القيادة العسكرية الموحدة في الرياض.

وتمنح هذه التفاصيل سيرة العائلة بعدًا خليجيًا لافتًا؛ فالأب ارتبط اسمه بمهمة عسكرية استثنائية داخل السعودية، بينما تولى الابن بعد عقود قيادة القوة العسكرية المشتركة لدول مجلس التعاون.

فالح الظاهري في ذاكرة أحداث الحرم

مر أكثر من أربعة عقود على واقعة محرم 1400هـ، لكن الحادثة بقيت حاضرة في الوثائقيات والكتب والمقابلات والدراما السعودية، وكلما أعيد فتح ملفاتها ظهر اسم فالح الظاهري ضمن رجال المؤسسة العسكرية الذين تعاملوا معها.

وقد ساعدت الحلقة التي قدمها نجله عبدالعزيز في «الليوان» عام 2024 على إعادة كثير من التفاصيل إلى الجمهور الجديد، خصوصًا ما يتعلق بتسلسل العملية والتحركات داخل المسجد الحرام والأدوار التي لعبها الرجال الموجودون في الميدان.

كما عاد التسجيل التلفزيوني القديم للظاهري نفسه إلى التداول، وأصبح ذا قيمة أكبر لأنه يمنح المشاهد فرصة لسماع أحد قادة الحدث يصف طريقة التفكير العسكري في العملية بدل الاعتماد فقط على الروايات اللاحقة.

وفي المقابل، تقدم شهادة الأمير تركي الفيصل، ووثيقة الأمير سلطان، وحوار الصحفي خالد الحسيني، مصادر متقاطعة تدعم مركزية دور الظاهري في العملية، بعيدًا عن المبالغات التي قد ترافق الحكايات التاريخية بعد مرور سنوات طويلة عليها.

وصية أخيرة بعيدًا عن المظاهر

حتى خبر رحيل فالح الظاهري حمل تفصيلًا صغيرًا يلخص الصورة التي نقلها المقربون عنه.

فبحسب نعي «المدينة»، أوصى بأن يقتصر العزاء بعد وفاته على المقبرة، وهي الوصية التي أعلنت أسرته الالتزام بها.

رحل بذلك أحد الرجال الذين حملوا عبئًا استثنائيًا في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ المملكة، بعد حياة عسكرية امتدت من الدراسة في المدرسة العسكرية إلى قيادة وحدات ومناطق ومؤسسات تدريبية.

ورغم أن اسمه سيظل مرتبطًا أساسًا بأحداث الحرم المكي، فإن مراجعة مسيرته تكشف رجلًا عاش جزءًا كبيرًا من حياته داخل المؤسسة العسكرية، ثم ترك أكثر أحداثها شهرة يتحدث عنه بدل أن يقضي سنوات تقاعده يتحدث هو عنه.

وبين التسجيل التلفزيوني القديم، ورسالة الأمير سلطان، وشهادات زملائه والصحفيين، وحلقة نجله التي جاءت بعد أكثر من أربعة عقود، بقيت أجزاء من سيرة اللواء فالح الظاهري محفوظة في ذاكرة السعودية.

ومع رحيله في سبتمبر 2026، عادت تلك الأوراق والمقاطع القديمة مرة أخرى لتروي قصة فالح الظاهري، القائد العسكري الذي ارتبط اسمه بعملية تطهير المسجد الحرام من جماعة جهيمان، ثم غادر المشهد الإعلامي وبقي اسمه داخل التاريخ.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى