يوميات المصريين في الخليج| حكايات تكشف حقيقة الغربة.. الصورة ليست كما تبدو

في الساعة الخامسة صباحا، يرن منبه هاتف “عبدالرحمن خالد”، شاب في منتصف الثلاثينيات يعمل في مجال المقاولات في العاصمة السعودية الرياض، يفتح عينيه بصعوبة، يلتقط هاتفه سريعا ليتفقد رسائل أسرته على و”اتساب”، ثم يبدأ يوما جديدا يشبه إلى حد كبير ما سبقه.

يقول عبدالرحمن: “أنا بشتغل من 9 لـ11 ساعة في اليوم، وأحيانا أكتر، الفكرة مش في التعب بس، الفكرة إنك حاسس إنك طول الوقت لازم تثبت نفسك لأنه ممكن يتلغي عقدك في أي وقت أو ما يتجددش تاني من غير سبب.. أوقات بحس إن حياتي واقفة هنا لا أنا مستقر ولا أنا راجع مصر.. متعلق بين الاتنين”.

6 ملايين مصري في الخليج

حياة “عبدالرحمن” ليست استثنائية، بل تمثل واقع شريحة واسعة من المصريين الذي يتجاوز عددهم 6 ملايين شخص في دول الخليج، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يعيشون سنوات بين الطموح في مستقبل أفضل وواقع يسيطر عليه الضغوطات.

ورغم أن الدافع الأساسي للسفر يظل اقتصاديا، فإن تفاصيل اليوم تكشف صورة أكثر تعقيدا، حيث يواجه المصري داخل مواقع العمل في القطاعات المختلفة، نظاما مهنيا صارما يعتمد على الإنتاجية والاستمرارية غالبا، فالوقت محسوب، والاستقرار الوظيفي ليس مضمونا دائما، خاصة في ظل سياسات توطين الوظائف التي تتبناها بعض دول الخليج، مثل برامج “السعودة” في السعودية، والتي طالت أغلب القطاعات، بالإضافة إلى ارتفاع رسوم الخدمات مثل تجديد الإقامة والتأمين الطبي وغيرها.

رحلة البحث عن الفرص الضائعة

في أبوظبي بالإمارات، تبدو الصورة مختلفة ظاهريا، لكنها تحمل التفاصيل نفسها، هنا تعمل “منى – اسم مستعار” معلمة لغة إنجليزية في مدرسة خاصة منذ 7 سنوات.

تصف يومها قائلة: “الناس فاكرة إن الحياة هنا سهلة، بس الحقيقة إن كل حاجة غالية.. الإيجار لوحده ممكن ياخد نص المرتب.. أنا جيت علشان أوفر، بس بقيت يدوب أوفق بين المصاريف وتحويل جزء من الدخل لأهلي شهريا.”

لم تعد “منى” تزور مصر إلا مرة واحدة كل عام أو عامين، بسبب ارتفاع تكاليف السفر، بالرغم من محاولاتها المستمرة لتقليل نفقاتها اليومية، لكنها تؤكد لو عاد بها الزمن ستسافر مرة أخرى: “لو رجع بيا الزمن هسافر تاني، يمكن التعب كبير، بس برضه الفرصة اللي هنا مش موجودة في مصر.”

التحدي الأكبر لا يظهر فقط في العمل، بل في الحياة اليومية خارج ساعات الدوام، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة في مدن الخليج الكبرى، أصبحت فكرة الادخار، التي كانت يوما الهدف الرئيسي من الاغتراب، أكثر صعوبة، فالإيجار والمواصلات ورسوم تجديد الإقامات والخدمات الحكومية، وحتى الاحتياجات الأساسية، تلتهم جزءا كبيرا من الدخل، ما يؤثر على فكرة الخروج للتنزه أو قضاء يوم ترفيهي في أماكن التسوق على سبيل المثال.

ارتفاع رسوم خدمات المرافقين

حكاية “محمود عبدالله”، لا تختلف كثيرا عن سابقيه، حيث عمل في قطر لما يقرب من 10 أعوام، قبل أن ينتقل إلى السعودية منذ 13 عاما.

يتحدث “محمود” صاحب الـ51 عاما، عن اختلاف شكل الحياة عندما بدأ رحلته في الاغتراب منذ 23 عاما، “زمان كنا بنقدر نحوّش فلوس بسهولة في أي بلد، أو نحولها للأهل في مصر علطول، مكانش فيه مصاريف كتير في الخليج زي دلوقتي، خاصة رسوم تجديد الإقامات للمرافقين”.

بدأ “محمود” عمله في مدينة جدة عام 2013، قبل أن ينتقل بعد سنوات قليلة إلى الدمام للعمل في شركة لبيع الأجهزة الإلكترونية، وبحسب حديثه اختلفت رسوم خدمات الوافدين من المجانية والأسعار الرمزية إلى مبالغ كبيرة سنويا تؤثر على الدخل الشهري، مضيفا: “حاليا بقينا نحسب تكلفة إقامة أفراد الأسرة معانا.. للأسف بقينا مضطرين نفترق، في بلدين لتقليل النفقات”.

زيادة رسوم الخدمات خلال 10 سنوات

بين عامي 2016 و2026، انتقلت خريطة التكاليف الحكومية للوافدين في السعودية من الرسوم الرمزية إلى الاستدامة المالية، فبينما كان المغترب قبل 10 سنوات يجدد إقامته مقابل 650 ريالا و100 ريال فقط لرخصة العمل، أصبح اليوم في قلب منظومة مالية مختلفة تماما.

ووفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الموارد البشرية والمديرية العامة للجوازات، استقر المقابل المالي للعمالة الوافدة في عام 2026 عند قرابة 800 ريال شهريا أي 9600 ريال سنويا، وهو ما أحدث تغييرا جذريا في مصروفات الوافدين.

أما التحدي الأكبر الذي غيّر حسابات المغتربين، فكان المقابل المالي للمرافقين، فبعد أن كانت إقامة الزوجة والأبناء في 2016 مجانية بالكامل، أصبحت تكلفة الفرد الواحد في 2026 تصل إلى 4800 ريال سنويا، ما يعني أن أسرة مكونة من 4 أفراد باتت مطالبة بسداد قرابة 14 ألفا و400 ريال سنويا كرسوم مرافقين فقط، وهو ما جعل الادخار مهمة تتطلب تخطيطا مختلفا تماما لمواجهة هذه القفزة التي تزامنت مع رفع جودة الخدمات الرقمية وتسهيلات السداد الربع سنوي التي لم تكن متاحة قبل عقد من الزمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى