معركة صامتة يخوضها كل مغترب مصري في دول الخليج، سنوات الغربة ليست مجرد أرقام تضاف إلى الرصيد البنكي، بل هي اختبار نفسي يعيد تشكيل الهوية، ويغير نظرة الإنسان لنفسه، ولعلاقاته ووطنه الأم.
صدمة الاغتراب المزدوج
تتحدث الدراسات النفسية عما يسمى بالفقدان المتدرج للانتماء، وهو ما يقع فيه المغترب بعد مرور 5 إلى 10 سنوات، حيث يشعر في الخليج بأنه “وافد” مهما طالت إقامته، وعندما يعود إلى مصر في إجازة، يشعر بأنه أصبح غريبًا عن تفاصيل الشارع، فقد تغيرت لغة الحوار وتبدلت العادات اليومية لأصدقائه وأقاربه، ليجد نفسه معلقًا في منطقة وسطى لا ينتمي فيها لأي من البلدين.
وفي تصريحات تلفزيونية سابقة، قال الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي: “المغترب المصري في الخليج غالبًا ما يقع في فخ تأجيل الحياة، هو يعيش في الغربة بجسده، بينما روحه معلقة بيوم العودة، ما يجعله يفقد القدرة على الاستمتاع بالحاضر، والأخطر هو تحول العلاقات الإنسانية في نظره إلى علاقات تعاقدية مادية، حيث يبدأ في قياس حبه لأهله وقيمته لديهم بما يقدمه من مال”.
تحولات في شخصية المغترب
تفرض طبيعة الحياة في الخليج، بقوانينها الصارمة، تحولاً جذريًا في الشخصية المصرية التي تتميز بمرونتها غالبًا، ويعيش الشخص بين أمرين:
– الانضباط الإجباري.. حيث يعتاد المغترب على الالتزام التام بالمواعيد والقواعد، لكن هذا الانضباط غالبًا ما يتحول إلى توتر دائم من الوقوع في الخطأ يؤدي لانتهاء التعاقد بشكل مفاجئ، ما قد يؤدي إلى ظهور صفات الشخصية القلقة.
– الحسابات المادية.. نظرًا لأن الغرض الأساسي من السفر هو المال، تتحول القيمة المادية إلى معيار لتقييم كل شيء، وهو ما يضعف الجوانب العاطفية في الشخصية بمرور الوقت.
حين يصبح الأب صرافًا آليًا.. شخصية المصريين في الخليج
اجتماعيًا، تظهر الدراسات أن غياب رب الأسرة لسنوات طويلة يخلق فجوة كبيرة في علاقته مع الأبناء، وهو ما يؤدي إلى تغير الأدوار، حيث تضطر الأم للقيام بدور الأب والأم معًا، وعند عودة الأب في الإجازات أو نهائيًا، يجد صعوبة في استعادة سلطته أو مكانته العاطفية لدى الأبناء الذين اعتادوا على رؤيته كمصدر للتمويل فقط وليس شريكًا في التربية.
وتشير إحصاءات غير رسمية إلى ارتفاع معدلات الطلاق النفسي أو الصامت بين الأزواج المغتربين، حيث يعيش كل طرف في عالم مختلف، وتصبح المكالمات اليومية مجرد وسيلة للمتطلبات المادية فقط.
حكايات من الغربة
يقول محمود الحسيني، 48 عامًا، مهندس يعمل في قطر منذ 15 عامًا: “أصعب لحظة مرت علي لم تكن تعب العمل، لكن حين عدت في إجازة العام الماضي، وسمعت ابني الصغير يسأل والدته بعفوية: هو بابا هيمشي إمتى؟.. شعرت أنني تحولت إلى ضيف ثقيل أو مجرد ممول يزورهم لتلبية احتياجاتهم المادية فقط ثم يرحل.. الغربة جعلتني أتقن تدبير وتوفير المال، لكنها جعلتني فاشلاً في فهم أبنائي حتى فقدت مكاني في حياتهم”.
لا يختلف الحال عند عصام صلاح، 52 عامًا، كثيرًا عن غيره، يقول: “قضيت نصف عمري في الغربة، سنوات السفر جعلتني أنظر لكل دقيقة في حياتي كمبلغ مالي، إذا جلست أرتاح، أحسب كم خسرت من الأوفر تايم.. هذا التفكير حولني إلى آلة، حتى مشاعري جفت، عندما توفي والدي ولم أستطع الحضور، تجاوزت الأمر سريعا ثم عدت لعملي لأنني كنت أفكر في تكلفة إلغاء العقد، صعب جدا أن تفقد إنسانيتك مقابل تأمين مستقبلك”.
متلازمة العودة النهائية
أصعب مراحل الغربة هي اللحظة التي يقرر فيها المغترب العودة نهائيًا إلى بلاده، حيث يكتشف تآكل شبكة العلاقات الاجتماعية، ويجد أصدقاءه القدامى بنوا حياتهم دونه، وأن مكانته الاجتماعية التي كان يحافظ عليها بالهدايا أحيانًا، قد تلاشت، ما يصيبه بنوع من الاكتئاب والعزلة، وهو ما واجهته “سارة” بعد عودتها نهائيًا إلى مصر.
“سارة – اسم مستعار”، 43 عامًا، معلمة عادت من السعودية منذ 8 أشهر، تلخص هذا الصراع قائلة: “عدت ومعي مدخرات جيدة، لكنني اكتشفت أنني فقدت قدرتي على التعامل مع زحام الشوارع في القاهرة، وجزء كبير من العادات والتقاليد، أهلي يصفونني الآن بأنني معقدة أو متكبرة، لكن الحقيقة أن الغربة غيرت نظام تفكيري، وأصبحت أشعر أنني غريبة في الشارع الذي ولدت فيه، لم أجد الأقارب والأصدقاء كما كانوا سابقًا”.
تجميد الوعي لدى المغترب
ما حدث مع “سارة” يكشف معاناة عدد كبير من المغتربين في الخليج، وهو ما تحدث عنه أستاذ الطب النفسي الراحل الدكتور يحيى الرخاوي في كتاباته ولقاءاته التلفزيونية، وحذر حينها من ظاهرة تجميد الوعي لدى المغترب، حيث يرى أن السفر الطويل يخلق فجوة في الزمن النفسي بين المغترب ووطنه، ما يجعل العودة صدمة قاسية يكتشف فيها الشخص أنه ضحى بتطوره الوجداني مقابل تراكم مادي، ليجد نفسه في النهاية غريبًا وسط أهله.
ويقدم خبراء الطب النفسي روشتة متكاملة لحماية المغترب من التآكل النفسي، تبدأ بضرورة التخلص من فكرة “تأجيل الحياة” عبر الاستمتاع بالحاضر وصناعة الذكريات في بلد الاغتراب بدلا من انتظار العودة للبدء في العيش، مع التحرر التام من دور “الصراف الآلي أو الممول” للأسرة، من خلال التواصل المستمر معهم، خاصة في ظل تعدد وتطور وسائل الاتصالات.





