
التريند حالة ذهنية وفكرية يعيشها شخص أو مجموعة أشخاص، وقد تمتد لتشمل شريحة كبيرة من الأشخاص أو فئة أو فصيل في منطقة ما أو دولة ما من العالم، وفي علم النفس الاجتماعي يطلقون على تلك الحالة “conformity” (كونفورمِتي)، وتعني المسايرة أو الانصياع الجمعي، ويوجد ظاهرة أخرى أخطر يطبق عليها “deindividuation” (دي-إندڤيدجوايشن)، وتعني ذوبان الشخصية الفردية داخل الجماعة؛ وعندما يكون الإنسان وسط الزحام، سواء في الشارع أو على السوشيال ميديا، يشعر بأن مسؤوليته تتوزع على جميع من يشاركونه ذلك العمل أو الفعل أو النشاط، فيمارس أعمالًا قد يستحي منها أو يخجل من فعلها بمفرده.
ومع ظهور أو انتشار أي تريند غريب أو غير مفهوم، دائمًا ما أتساءل عن الأسباب الحقيقية خلف ذلك الانتشار الواسع والسريع، الذي قد يفوق في بعض الأحيان وبسرعة البرق حد الانتشار النووي ربما، ولماذا الآن وفي مثل هذا التوقيت؟ ولماذا هذا الموضوع أو المحتوى تحديدًا؟ ومن المستفيد من ذلك الانتشار الواسع بين الناس ليصبح حديث الجميع في تلك اللحظة؟ وكلامي ليس من فراغ، بل من واقع كتابي «لا مكان للاختباء» للأمريكي جريند جرينوالد، و«الرقميون» لستيفن بايكر، في الكتابين شرح مذهل مخيف لبعض الأهداف التي يمكن أن تقف وراء صناعة التريندات ودفع موضوع معين إلى الواجهة داخل مجتمع أو دولة ما، وبحسب الكتابين هناك عدة أهداف من وراء هذا الفعل، منها:
• معرفة رد فعل مجموعة معينة، أو شريحة محددة، أو حتى شخص واحد، ثم مطابقة رد الفعل بخريطته النفسية، أجهزة المخابرات الكبرى ترصد ذلك، هذا ليس كلامي مرة ثانية.
• وقد يكون الهدف قياس اتجاهات الرأي العام، أو تجميع البيانات، أو اختبار مدى قابلية الناس للتأثر بفكرة معينة أو موضة ما أو تقليعة ما.
• وقد يكون الهدف أكثر خبثًا: إثارة التعاطف، تأجيج المشاعر، أو زرع فيروس من نوع «حصان طروادة»؛ شيء يبدو في ظاهره بريئًا، بينما يحمل بداخله شيئًا آخر لا يظهر إلا بعد فوات الأوان.
لذلك، عندما ترى تريندًا جديدًا، لا تكتفِ بالسؤال: ما الذي يحدث؟ اسأل نفسك أيضًا: لماذا يحدث الآن؟ ومن الذي يريدني أن أراه؟ ومن الذي يراقب رد فعلي؟.. ربما أكون مخطئًا، وهذه بالمناسبة، هي الإجابة التي أتمناها لأن البديل أكثر إزعاجًا بكثير.
فما يحدث معنا في تريند “قاع الهامور” وأمثاله من التريندات الأخرى، والقصة ليست في أن الكرتون حرام أو الضحك أو الترويح عن النفس حرام، وقد يرى البعض أنه هزار وتسلية شباب صغير وأنه متنفس للمصريين في ظل غياب الإعلام الوطني الذي أصبح لا يعبر عن هموم ومطالب الناس ومشاكلهم ومعيشتهم اليومية، وأنه مجرد وسيلة مسلية للتعبير عن الغضب بدلًا من الانفجار، ربما بسبب غلاء الأسعار وضيق العيش أو أداء بعض الأجهزة والمؤسسات الحكومية، على الرغم من الاهتمام الكبير والتوصيات المستمرة من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي بتفعيل دور الأجهزة الرقابية ومحاسبة المقصرين والقضاء على الفساد أيا كان مصدره، ولكن القصة تكمن في أننا أصبحنا نسير مع القطيع دون تفكير، وبالبلدي “نضحك عشان الناس بتضحك”، دون أن نسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا بسيطًا: “أنا بعمل ده ليه ومن المستفيد؟”
ومع سرعة تنامي أعداد المتابعين والمنضمين لجروب (شكاوى أهل قاع الهامور) بشكل لافت للنظر دون غيره من التريندات السابقة، ما يثير الشكوك حول الأهداف الحقيقية من خلف الستار حول هذا التريند وحشد هذه الأعداد الضخمة من عموم الشعب المصري في مكان واحد، وتصدير ذلك المشهد الكبير وتقنينه على أنه فكرة لبعض الشباب لمجرد التسلية والضحك والهزار، حيث أصبح يضم خلال ٢٤ ساعة فقط ١،٣ مليون متابع، والأعداد في ازدياد كبير فاقت 2 مليون مشارك.. وبعضهم من الفنانين وبعض الشخصيات والمشاهير التي أعلنت على صفحتها أنها وصلت لقاع الهامور.. محلات.. براندات.. مطربين تحجز في قاع الهامور أو بمعنى أصح يحجزون لهم في قاع الهامور.
ومع بدء مناقشة المشاكل اليومية للمواطن المصري التي يعيشها فوق القاع ليتم مناقشتها تحت القاع بطريقة ساخرة تحمل تارة الإسقاط، وتارة خفة الدم، وتارة أخرى تحفيز وإثارة الغضب على رموز الدولة ومؤسساتها، في صورة كيان خيالي مثل المدينة الفاضلة أو زرزارة أو مدينة سبونج بوب الكارتونية الشهيرة، لكنه يحمل فكرة ما!! فهل هي مع أم ضد.. للهزار والدعابة أم لا!؟ ما يثير الشكوك حول الموضوع أن من يقف خلف ذلك الحشد ليسوا من الهواة الذين اخترعوا فكرة وضرب معهم مثل لعبة (البخت أو الحظ).. ولكن الحقائق تؤكد على أن المشاركين والمنضمين إلى هذا التريند، وهربًا من الواقع إلى قاع البحر، حولوا قاع الهامور شيئًا فشيئًا إلى دولة بديلة موازية تحاكي الواقع لإثارة البلبلة والفتنة وبث شعور الكرامية وروح الانهزامية بين المصريين والتسفيه والتحقير والتطاول على مؤسسات الدولة الوطنية ورموزها، وهذا هو المطلوب والهدف الحقيقي خلف ما يدور حول تريند “قاع الهامور” والذي تسعى إليه كثير من أجهزة المخابرات المعادية لمصر وشعبها، وهنا تظهر الأسئلة الطبيعية والمنطقية: لماذا هذا التريند المصري الآن في ظل ما تواجهه الدولة المصرية من تحديات وجودية؟.. ولماذا سمي (بمشاكل…) وكأن الدنيا قد خلت من المشاكل إلا في مصر.. ولماذا لم يكن مشاكل أهل إثيوبيا؟ أو مشاكل أهل غزة؟… أو مشاكل أهل السودان؟… أو مشاكل أهل الصومال؟… أو مشاكل أهل الهند؟… إلخ) إذن فالمقصود هو مشاكل أهل مصر وحدها فقط لأنها هي التي لا تزال باقية وصامدة، والمطلوب تفتيت وحدتها وتشتيت شعبها، فالأمر لا يحتاج إلى جهد كبير أو تفكير طويل، فالحروب الحالية من الجيل الرابع قد بدأت مع ثورات الربيع العربي التي دمرت الدول وحولتها إلى مستنقع للفوضى والحروب.
فعندما تتحول النكتة إلى تهديد للأمن القومي، وما بدأ كدعابة مستوحاة من عالم «سبونج بوب»، تحول خلال أيام إلى عالم افتراضي كامل يحمل أسماء مؤسسات الدولة؛ «مركز شرطة قاع الهامور»، و«وزارة داخلية»، وشكاوى وانتخابات وعقارات وخدمات، في محاكاة ساخرة للواقع المصري، فقد يبدو الأمر في ظاهره مجرد كوميديا، لكن اتساع الظاهرة وتحولها إلى مجتمع افتراضي ضخم يستحق التوقف أمامه؛ فالأمن القومي لا يتعلق فقط بالمخاطر المباشرة، وإنما يمتد أيضًا إلى وعي المجتمع وثقته في مؤسسات دولته، فحين تصبح مؤسسات الدولة ورموزها مادة دائمة للسخرية، ويُعاد تقديم مشكلات المواطن الحقيقية داخل «دولة» افتراضية بديلة، فقد يتحول الأمر – إذا تجاوز حدود الكوميديا إلى التشكيك والتحريض – من مجرد تريند إلى تهديد للأمن القومي بمعناه الأوسع، ولا يعني ذلك أن كل سخرية جريمة، أو أن كل من شارك في «قاع الهامور» لديه هدف سياسي؛ وإنما يعني أن الظاهرة، بحجم انتشارها وقدرتها على صناعة واقع افتراضي موازٍ، تستحق الرصد والوعي قبل أن تتحول من مساحة للضحك إلى مساحة للتأثير في وعي الناس وثقتهم بالدولة.
ورسالتي إلى الشعب المصري العريق بالداخل والخارج:
إن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، ولكن في أوقات التحديات المصيرية يصبح التلاحم الوطني فرضًا لحماية كيان الدولة ومنع المتربصين من استغلال الثغرات، فالحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت حروبًا نفسية وفكرية تستهدف وعي المواطن وتشكيكه في مؤسساته، ووطننا الغالي مصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه يواجه تحديات ومخاطر غير مسبوقة على جميع الاتجاهات الاستراتيجية والحدودية، مما يتطلب من الجميع الوقوف صفًا واحدًا لحماية مقدرات هذا الوطن وصون أمنه القومي، وقوة مصر عبر العصور كانت تكمن دائمًا في تماسك جبهتها الداخلية وترابط شعبها، فاجعلوا من التدقيق والوعي سلاحكم الأول.
وإلى المصريين في الخارج (سفراء الوطن): أنتم خط الدفاع الأول عن مصر في عواصم العالم، وصوتها النابض بالحق، استمروا في نقل الصورة الحقيقية لما تواجهه مصر من تحديات وما تحققه من إنجازات. واجهوا حملات التشويه الممنهجة بالحقائق، وكونوا دائمًا سندًا اقتصاديًا وفكريًا لوطنكم الأم، وتذكروا دائمًا أن الحفاظ على قوة واستقرار هذه الدولة ومؤسساتها هو الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق نحو الفوضى التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
وعلى الرغم مما يدور، فرسالتي الأخيرة إلى من يهمه الأمر في الدولة والحكومة المصرية والإعلام الوطني الحر: انظروا إلى (مشاكل أهل قاع الهامور) قبل أن يهوي بنا إلى (مشاكل أهل قاع الخابور)، فالأمر يستحق النظر!!؟؟
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها من كل مكروه وسوء.





