
حين وافقت أم كلثوم على تلبية دعوة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للغناء في أبوظبي عام 1971، ظهرت مشكلة لم تكن بسيطة في مدينة كانت لا تزال في بدايات نهضتها الحديثة أين يمكن إقامة حفل يستوعب آلاف الراغبين في الاستماع إلى «كوكب الشرق»؟.
لم تكن قاعات أبوظبي المتاحة وقتها قادرة على استضافة حدث بهذا الحجم؛ فالمسارح الموجودة كانت في الأساس مرتبطة بدور السينما، وتتسع لمئات المتفرجين فقط، بينما كان جمهور أم كلثوم المتوقع بالآلاف. لذلك اتجهت أبوظبي إلى حل استثنائي تشييد مسرح مؤقت خصيصا لاستقبالها.
دعوة من الشيخ زايد
تعود القصة إلى عام 1971، عندما وجه الشيخ زايد دعوة إلى أم كلثوم للمشاركة في الاحتفالات المقررة في نهاية نوفمبر بمناسبة الذكرى الخامسة لتوليه حكم أبوظبي، في فترة تاريخية سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بأيام قليلة.
ويوثق الأرشيف والمكتبة الوطنية الإماراتية هذه الزيارة في كتاب «أم كلثوم في أبوظبي»، الذي أشرف على إعداده الأديب الإماراتي محمد المر، ويضم صورا وتفاصيل لمحطات الزيارة والحفلين اللذين أحيتهما الفنانة المصرية.
وكانت ترتيبات الدعوة قد بدأت خلال زيارة الشيخ زايد إلى مصر في أبريل 1971، عندما التقى مبعوثان من أبوظبي أم كلثوم في منزلها وناقشا معها فكرة إحياء حفلات في الإمارة. وعلى الرغم من تعرضها لوعكة صحية آنذاك، رحبت بالدعوة ووافقت على أن تبدأ موسمها الغنائي الشتوي من أبوظبي.

مسرح في 3 أسابيع
لكن موافقة أم كلثوم نقلت المنظمين مباشرة إلى التحدي الأكبر؛ فلم تكن هناك قاعة تتناسب مع حجم شعبيتها.
وهنا تقرر إنشاء مسرح مؤقت على أرض النادي الأهلي في أبوظبي، وهو الموقع المرتبط اليوم بمنطقة استاد آل نهيان ونادي الوحدة. وتولت وزارة الدفاع، بالتنسيق مع وزارات ودوائر أخرى، مهمة تجهيز المكان بالصوت والإضاءة ومستلزمات العرض والنقل الإذاعي والتلفزيوني.
وأنجز المسرح خلال فترة قياسية لم تتجاوز ثلاثة أسابيع، ليستوعب آلاف المشاهدين. وتشير الرواية المستندة إلى كتاب محمد المر إلى تجهيز نحو 3000 مقعد، فيما تذكر مصادر توثيقية وصحفية أخرى أرقاما تراوحت بين 4 و5 آلاف مقعد، وهو اختلاف في تقدير السعة، لكن المصادر تتفق على أن الجمهور تجاوز الطاقة الأساسية للمكان.
ولم تقتصر الاستعدادات على بناء خشبة ومقاعد؛ فقد كان حفل أم كلثوم يحتاج إلى فرقتها الموسيقية الكبيرة ونظام صوت قادر على التعامل مع طبيعة حفلاتها الطويلة، فضلا عن متطلبات البث المباشر. وتذكر المصادر أن تجهيزات فنية إضافية وُضعت لضمان استمرار الحفل حتى في حال حدوث مشكلة في إمدادات الكهرباء.
وصول «الست» إلى أبوظبي
وصلت أم كلثوم إلى مطار البطين في أبوظبي يوم 26 نوفمبر 1971 على متن طائرة للخطوط الجوية الكويتية، برفقة فرقتها الموسيقية التي ضمت نحو 42 عازفا، إضافة إلى أفراد من أسرتها وعدد من الإعلاميين. وحظيت باستقبال رسمي قبل انتقالها مع الوفد المرافق إلى مقر إقامتها.
وكان وصولها حدثا ثقافيا كبيرا في المدينة. وتكشف المواد الأرشيفية أن الاهتمام لم يكن محليا فقط، إذ كانت شهرة أم كلثوم تمتد في مختلف أنحاء الخليج والعالم العربي، بينما كانت حفلاتها في ذلك العام قليلة بسبب ظروفها الصحية.
ليلة 28 نوفمبر
وفي مساء 28 نوفمبر 1971، جاء الاختبار الحقيقي للمسرح الذي أُنجز على عجل.
حضر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الحفل الأول إلى جانب شخصيات رسمية وضيوف وجمهور غفير، وامتلأت المقاعد بالكامل، فيما اضطر بعض الحاضرين إلى الجلوس على الأرض، ووقف آخرون لمتابعة الحفل. وتقدر إحدى الروايات الموثقة أن نحو 4000 شخص احتشدوا داخل مسرح أُعد أساسا لنحو 3000 مقعد.
وصعدت أم كلثوم إلى المسرح وقدمت عددا من أشهر أعمالها، بينها «أغدا ألقاك» و«الحب كله»، في ليلة أصبحت لاحقا واحدة من أبرز المحطات في الذاكرة الثقافية لأبوظبي.
حفل ثان وعقد اللؤلؤ
لم تكن ليلة 28 نوفمبر هي الوحيدة، إذ أحيت أم كلثوم حفلا ثانيا يوم 30 نوفمبر 1971.
وفي اليوم نفسه، استقبلها الشيخ زايد في قصر المنهل وكرمها، كما ارتبطت الزيارة بهدية شهيرة تمثلت في عقد من اللؤلؤ الخليجي، ارتدته أم كلثوم خلال الحفل الثاني. وعُرض العقد بعد عقود في متحف اللوفر أبوظبي.
وخصص ريع الحفل الثاني لدعم المجهود الحربي المصري، بحسب التوثيق الإماراتي للزيارة.
شاهدت ميلاد الإمارات
ولم تنته قصة أم كلثوم في أبوظبي بانتهاء الحفلين، إذ امتدت زيارتها حتى 2 ديسمبر 1971، لتشهد لحظة إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ومراسم رفع علم الاتحاد في قصر المنهل.
وهكذا تزامنت واحدة من أشهر الزيارات الفنية المصرية إلى الخليج مع واحدة من أهم اللحظات السياسية والتاريخية في المنطقة.
المسرح اختفى والحكاية بقيت
لم يكن المسرح الذي أقيم لأم كلثوم منشأة صُممت للبقاء لعقود، لكن الحكاية التي صنعتها تلك الأسابيع القصيرة عاشت أطول كثيرا من المبنى نفسه.
مدينة لم تكن تمتلك قاعة تكفي جمهور «الست» قررت ألا تقلص الحفل أو تعتذر عن استضافة الآلاف، بل شيّدت مسرحا كاملا في ثلاثة أسابيع، واستقبلت فيه واحدة من أشهر الأصوات في التاريخ العربي.
وبعد أكثر من نصف قرن، لا يزال الأرشيف الإماراتي يحتفظ بصور الزيارة وتفاصيلها، فيما بقيت حفلات أم كلثوم في أبوظبي شاهدا على مرحلة التقت فيها الثقافة المصرية مع بدايات النهضة الإماراتية، قبل أيام فقط من ميلاد دولة الإمارات.





