مصريون في ذاكرة الخليج.. لم تكفِ المقاعد فجلس جمهور أم كلثوم في أبوظبي على الأرض

لم تكن ليلة أم كلثوم في أبوظبي عام 1971 مجرد حفل غنائي، بل كانت حدثًا استثنائيًا جسّد حجم المكانة التي احتلتها سيدة الغناء العربي في قلوب جمهور الخليج، قبل عصر المسارح العملاقة والمنصات الحديثة.

في نوفمبر 1971، كانت أبوظبي تستعد للاحتفال بالذكرى الخامسة لتولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم الإمارة، وبالمرحلة التاريخية التي سبقت إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة. وكان اختيار أم كلثوم لإحياء المناسبة يعكس مكانتها العربية الكبيرة، إذ لم يكن هناك اسم فني يضاهي حضورها وقتها.

دعوة تاريخية.. جمهور أم كلثوم في أبوظبي

بدأت قصة الزيارة عندما نقل مانع سعيد العتيبة، وزير البترول الإماراتي آنذاك، دعوة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى أم كلثوم خلال وجودها في القاهرة عام 1971، للمشاركة في احتفالات أبوظبي. ورحبت كوكب الشرق بالدعوة، معلنة أن موسمها الغنائي لذلك العام سيبدأ من العاصمة الإماراتية.

وصلت أم كلثوم إلى أبوظبي يوم 26 نوفمبر 1971، واستُقبلت بحفاوة رسمية كبيرة، قبل أن تحيي حفلتين تاريخيتين يومي 28 و30 نوفمبر، في أجواء سبقت إعلان قيام دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر من العام نفسه.

مسرح لا يكفي

كانت المشكلة أن أبوظبي في ذلك الوقت لم تكن تمتلك مسرحًا قادرًا على استيعاب شعبية أم كلثوم؛ فالقاعات المتاحة كانت محدودة، بينما كان عشاقها بالآلاف، لذلك جرى إنشاء مسرح مؤقت على أرض النادي الأهلي، الذي أصبح لاحقًا نادي الوحدة، خلال فترة قصيرة استعدادًا للحفل.

ورغم تجهيز المسرح ليستقبل آلاف الحاضرين، فإن الإقبال تجاوز التوقعات، إذ امتلأت المقاعد ولم يجد بعض الجمهور مكانًا للجلوس، فاضطر عدد منهم إلى الوقوف أو الجلوس على الأرض لمتابعة الحفل. وتشير المصادر إلى أن المسرح كان يستوعب نحو 3000 شخص، بينما وصل عدد الحاضرين إلى قرابة 4000 شخص في الحفل الأول.

272256 hamL

ليلة كوكب الشرق

في الحفل الأول، الذي حضره الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وعدد من كبار الشخصيات، بدأت أم كلثوم وصلتها بأغنية «أغدًا ألقاك» من كلمات الشاعر السوداني الهادي آدم وألحان محمد عبدالوهاب، ثم قدمت «الحب كله» من كلمات أحمد شفيق كامل وألحان بليغ حمدي.

أما في الحفل الثاني يوم 30 نوفمبر، فقد قدمت مجموعة من أشهر أعمالها، بينها «دارت الأيام» و«القلب يعشق كل جميل»، وسط حضور جماهيري كبير.

تكريم إماراتي

بعد الحفل الأول، استقبل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أم كلثوم في قصر المنهل، وأهداها عقدًا من اللؤلؤ الطبيعي مكونًا من 1888 حبة، ارتدته خلال الحفل الثاني، وأصبح لاحقًا من القطع المعروضة ضمن معرض «10 آلاف عام من الرفاهية» في متحف اللوفر أبوظبي.

WhatsApp Image 2026 09 13 at 5.55.14 PM

ذاكرة لا تنسى

بعد أكثر من خمسة عقود، ما زالت صورة جمهور أبوظبي الذي افترش الأرض ليستمع إلى أم كلثوم واحدة من أكثر المشاهد تعبيرًا عن علاقة الفن المصري بالجمهور الخليجي.

لم تكن أم كلثوم في أبوظبي مجرد مطربة جاءت لإحياء حفل، بل كانت صوتًا عاش معه الجمهور سنوات عبر الإذاعة والأسطوانات، وعندما وصلت إلى مدينتهم أرادوا أن يكونوا قريبين منها بأي طريقة، حتى لو كان ذلك بالجلوس على الأرض.

وهكذا بقيت ليلة أم كلثوم في أبوظبي واحدة من أبرز صفحات “مصريين في ذاكرة الخليج”؛ قصة عن فنانة وحّدت جمهورًا عربيًا كاملًا بصوتها قبل أن تعرف المنطقة عصر المنصات الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى