
لم تكن حفلات أم كلثوم مجرد ليلة تصل فيها إلى المسرح، تغني ثم تغادر. خلف المنديل الشهير والفرقة الموسيقية الكبيرة، كانت هناك شخصية شديدة الدقة في إدارة تفاصيل العمل، من اختيار الأغنيات إلى المكان الذي ستقف عليه أمام جمهورها.
وتكشف وثائق تعاقد أم كلثوم لإحياء حفلات في الكويت عام 1959 عن واحد من أكثر الشروط دلالة على طريقة إدارتها لمسيرتها الفنية؛ إذ اشترطت أن يكون لها حق الإشراف على مسرح سينما الحمراء وإبداء ملاحظاتها عليه، مع التزام الجهة المنظمة بتنفيذ ما تطلبه قبل الحفل.
كما احتفظت لنفسها بالحرية الكاملة في اختيار الأغنيات التي ستقدمها خلال الحفل، وهو ما يعكس حجم سيطرتها على التفاصيل الفنية والتنظيمية المرتبطة باسمها.
7 آلاف جنيه للحفل الواحد
بحسب ما وثقته صحيفة «الأهرام»، تعاقدت أم كلثوم مع التاجر الكويتي كامل سليم على إقامة ثلاث حفلات في الكويت، وورد في التوثيق تاريخ 16 يناير 1959، مقابل 7 آلاف جنيه مصري عن كل حفل، أي 21 ألف جنيه مقابل الحفلات الثلاث.
ويعكس هذا الرقم المكانة الاستثنائية التي وصلت إليها كوكب الشرق في سوق الحفلات العربية خلال تلك المرحلة، إلى جانب نفوذها الفني الكبير في إدارة حفلاتها.
ولم يكن المسرح بالنسبة إليها مجرد مكان تحدده الجهة المنظمة، بل جزءا من العمل الذي يحمل اسمها أمام الجمهور، لذلك حرصت على ضمان حقها في الإشراف عليه وإبداء الملاحظات قبل بدء الحفل.
سينما الحمراء كانت حديثة العهد
أنشئت سينما الحمراء في الكويت عام 1958، أي قبل حفلات أم كلثوم الموثقة في العام التالي بفترة قصيرة، وكانت من أبرز دور العرض الحديثة آنذاك.
وتصف مصادر كويتية سينما الحمراء بأنها أول دار عرض كويتية بنيت بسقف، واستمرت في العمل حتى عام 2004، قبل أن يرتبط موقعها لاحقا بمشروع برج الحمراء.
ورغم حداثة المكان، أصرت أم كلثوم على أن يكون لها حق الإشراف على المسرح بنفسها، وعدم الاكتفاء بتأكيدات الجهة المنظمة بشأن جاهزيته.
أم كلثوم تختار بنفسها ما تغنيه
امتد تحكم كوكب الشرق إلى البرنامج الغنائي، إذ نص الاتفاق على أن تكون لها الحرية الكاملة في تحديد الأغنيات التي ستقدمها للجمهور.
وتشير المادة الأرشيفية إلى أنها قدمت في تلك المرحلة مجموعة من أشهر أعمالها، من بينها «عودت عيني» و«شمس الأصيل» و«هجرتك».
وتكشف هذه التفاصيل طريقة أم كلثوم في التعامل مع الحفل باعتباره عملا فنيا متكاملا، يبدأ قبل صعودها إلى المسرح ولا يقتصر على لحظة الغناء أمام الجمهور.
حفلات أم كلثوم في الكويت
تشير وثائق التعاقد المنشورة إلى وجود حفلات لأم كلثوم في سينما الحمراء عام 1959.
كما توجد روايات كويتية لاحقة تشير إلى عام 1963 بوصفه بداية زياراتها إلى الكويت، بينما تدعم الوثائق المنشورة وجود تعاقد سابق في عام 1959.
وفي فبراير 1963، أحيت أم كلثوم حفلتين على مسرح سينما الأندلس بالكويت.
وأقيم الحفل الأول يوم 25 فبراير، وقدمت خلاله «حيرت قلبي معاك» و«حسيبك للزمن» و«أنساك».
وعادت في 27 فبراير بحفل ثان قدمت خلاله «هجرتك» و«ظلمنا الحب» و«هو صحيح الهوى غلاب».
ولم تكرر أم كلثوم أي أغنية بين الحفلين، وهو ما يعكس حجم التحضير الذي كان يسبق ظهورها أمام جمهور الكويت.
أم كلثوم بالكويت
لم تقتصر علاقة أم كلثوم بالكويت على الحفلات الجماهيرية، إذ ارتبط اسمها أيضا بأعمال غنائية وطنية كويتية.
ومن أبرز هذه الأعمال أغنية «يا دارنا يا دار» من كلمات الشاعر الكويتي أحمد العدواني وألحان رياض السنباطي، والتي ارتبطت بالاحتفالات الوطنية في الكويت خلال الستينيات.
كما قدمت أغنية «أرض الجدود» من كلمات أحمد العدواني وألحان رياض السنباطي، لتصبح علاقتها بالكويت جزءا من تاريخ الأغنية الوطنية هناك.
عودة أم كلثوم إلى الكويت عام 1968
عادت أم كلثوم إلى الكويت بعد حرب يونيو 1967 ضمن جولاتها العربية التي هدفت إلى جمع الأموال لدعم المجهود الحربي المصري.
وتحتفظ الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية في الكويت بصور ووثائق مرتبطة بزيارة أم كلثوم خلال تلك المرحلة، كما تشير شهادات صحفية إلى دور الجمعية في دعوتها وتنظيم النشاط المرتبط بالزيارة.
وامتدت بذلك علاقة كوكب الشرق بالكويت من الحفلات الجماهيرية إلى الأغنيات الوطنية، ثم إلى النشاط المرتبط بدعم المجهود الحربي المصري.
سر من أسرار نجاح «الست»
تكشف شروط عقد سينما الحمراء جانبا مهما من شخصية أم كلثوم، التي لم تكن تعتمد على شهرتها وحدها لضمان نجاح الحفل.
كانت تتابع المسرح الذي ستقف عليه، وتحدد بنفسها البرنامج الغنائي، وتحافظ على القرار الفني الأخير في كل ما يتعلق بظهورها أمام الجمهور.
وهكذا تكشف حفلات الكويت عام 1959 أن أم كلثوم لم تكن تترك تفاصيل نجاحها للصدفة، بل أدارت مسيرتها بدقة جعلتها واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الغناء العربي.
اقرأ أيضا:
مصريون في ذاكرة الخليج.. ليلتان لأم كلثوم في الكويت ولم تكرر أغنية واحدة
مصريون في ذاكرة الخليج.. أم كلثوم تغني لاستقلال الكويت: حكاية «يا دارنا يا دار»
مصريون في ذاكرة الخليج.. «يا هلي» و«من الجهرة للسالمية».. حين غنى عبدالحليم للكويت بلسان أهلها





