مصريون في ذاكرة الخليج.. «السموكنج» كاد يحرم أميرًا سعوديًا من سماع أم كلثوم

لم تبدأ علاقة الأمير الشاعر عبدالله الفيصل بأم كلثوم بقصيدة أو جلسة عمل بين شاعر ومطربة، بل بموقف طريف عند باب حفل في القاهرة عام 1947؛ إذ كاد شرط ارتداء «السموكنج»، ثم خطأ في اسم الحجز، أن يحرما الأمير السعودي الشاب من حضور الليلة التي ستفتح له لاحقًا بابًا إلى قلب الحياة الفنية المصرية.

مكالمة مع «الست»

بحسب الرواية التي نقلها الكاتب سمير عمر عن حديث سابق للأمير عبدالله الفيصل مع الإعلامي طارق حبيب، كان الأمير في القاهرة عام 1947، وعلم أن أم كلثوم ستحيي حفلًا لصالح جمعية المرأة الجديدة. حاول حجز طاولة له ولعدد من أصدقائه، لكنه لم يتمكن، فقرر الاتصال بأم كلثوم مباشرة. كان عبدالله الفيصل آنذاك في منتصف العشرينيات من عمره، وهو أكبر أبناء الأمير فيصل بن عبدالعزيز، الذي كان نائبًا للملك في الحجاز خلال تلك المرحلة.

عرّف عبدالله الفيصل نفسه إلى أم كلثوم وأخبرها برغبته في حضور الحفل، فرحبت به وبأصدقائه ورتبت لهم طاولة. بدا أن المشكلة انتهت عند هذا الحد، لكن وصول المجموعة إلى مكان الحفل كشف عن شرط لم يكن الأمير ورفاقه قد استعدوا له: الحضور بالملابس الرسمية وارتداء «السموكنج».

«السموكنج» يعيده من الباب

لم يكن عبدالله الفيصل يرتدي الملابس المطلوبة، لكنه كان يملك بدلة «سموكنج»، فعاد لتغيير ملابسه، بينما لم يتمكن بعض أصدقائه من استكمال الليلة لعدم امتلاكهم الزي المناسب. وبعد عودته معتقدًا أنه تجاوز العقبة الأولى، وجد مشكلة أخرى أكثر غرابة تنتظره عند المدخل.

بحثت المشرفتان على الدخول عن الحجز فلم تجدا طاولة باسم «عبدالله الفيصل». وبعد مراجعة القوائم ظهرت طاولة محجوزة باسم الأمير فيصل، والد عبدالله. حاول الأمير الشاب توضيح أنه ابن صاحب الاسم وأن الحجز خُصص له بالفعل، لكن القائمات على الدخول لم يقتنعن بروايته، لتصبح هويته نفسها عقبة ثانية بعد «السموكنج».

شاهد ينقذ الموقف

ظل عبدالله الفيصل عند الباب حتى وصل فؤاد باشا سلطان، الذي كان يعرفه من قبل، فتدخل وعرّف الموجودين به، لتنتهي الأزمة ويتمكن أخيرًا من دخول الحفل.

وتكتسب اللحظة أهميتها من أن ما حدث بعدها تجاوز مجرد حضور أمسية غنائية؛ فداخل الحفل التقى عبدالله الفيصل أم كلثوم وجهًا لوجه للمرة الأولى، وقدّمته كوكب الشرق إلى الشاعر أحمد رامي، وجلس الثلاثة إلى طاولة واحدة. ونُقل عن الفيصل أنه كان شديد التأثر بجلوسه إلى جوار رامي، أحد الأسماء التي كان يقدر تجربتها الشعرية.

من مقعد الجمهور إلى «ثورة الشك»

بعد نحو عقد من تلك الليلة، لم يعد عبدالله الفيصل مجرد مستمع إلى أم كلثوم، بل أصبح أحد الشعراء الذين حملت قصائدهم بصوتها إلى الجمهور العربي.

وجاء التعاون الأشهر في «ثورة الشك» من ألحان رياض السنباطي. وتوثق صحيفة «الاتحاد» تقديم أم كلثوم للقصيدة في حديقة الأزبكية بالقاهرة يوم 4 ديسمبر 1958، وتشير إلى أن عنوانها كان في الأصل «عواطف حائرة» قبل أن يستقر اسمها على «ثورة الشك». كما نُقل عن أم كلثوم أن إعداد العمل استغرق فترة طويلة وصلت إلى عامين.

والمفارقة هنا أن الرجل الذي واجه مشكلة في دخول حفلها عام 1947، أصبح بعد سنوات صاحب واحدة من القصائد المرتبطة بتاريخ صوتها، وهي تبدأ بالبيت الشهير «أكاد أشك في نفسي لأني»، قبل أن يحولها لحن السنباطي وأداء أم كلثوم إلى عمل ظل حاضرًا في ذاكرة الأغنية العربية.

«من أجل عينيك»

لم يتوقف التعاون عند «ثورة الشك». فقد عادت أم كلثوم إلى شعر عبدالله الفيصل في «من أجل عينيك»، ولحنها كذلك رياض السنباطي.

وتشير مصادر صحفية مصرية وسعودية إلى أن أم كلثوم قدمت العمل ضمن موسمها الغنائي عام 1972. ويذكر «الأهرام» أن العمل قُدم في الليلة نفسها التي غنت فيها «يا مسهرني» لسيد مكاوي، وأن تلحين «من أجل عينيك» استغرق نحو 45 يومًا، أعقبته بروفات متعددة قبل تقديمها على مسرح سينما قصر النيل.

وهناك اختلاف في بعض المراجع حول نسبة الأغنية إلى عام 1971 أو 1972؛ إلا أن مصادر توثق موسم حفلات أم كلثوم تجعل تقديمها المسرحي في 1972، وهو التاريخ الذي يتسق مع روايات العرض في قصر النيل. ولذلك فالأدق عند الحديث عن ظهورها على المسرح الإشارة إلى موسم 1972. 

أمير وشاعر

كان عبدالله الفيصل أكثر من أمير أحب الفن المصري. فبحسب «سعوديبيديا»، وُلد في الرياض عام 1922، وهو أكبر أبناء الملك فيصل بن عبدالعزيز، وشغل مناصب حكومية بينها وزارة الصحة ووزارة الداخلية، كما ارتبط اسمه بتاريخ الرياضة السعودية، لكنه احتفظ في الوقت نفسه بحضور بارز بوصفه شاعرًا رومانسيًا غنائيًا.

وغنى من قصائده، إلى جانب أم كلثوم، عدد كبير من أبرز مطربي العالم العربي، بينهم عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة وطلال مداح ومحمد عبده وفايزة أحمد وعزيزة جلال وعبادي الجوهر وعبدالكريم عبدالقادر. وتضم أعماله دواوين مثل «وحي الحرمان» و«حديث قلب» و«مشاعري»، كما تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والروسية.

القاهرة صنعت البداية

تكشف قصة عام 1947 جانبًا مختلفًا من العلاقة الثقافية بين مصر والسعودية؛ فالقاهرة لم تكن بالنسبة إلى عبدالله الفيصل مجرد مدينة يزورها أمير سعودي، وإنما مساحة التقى فيها بأم كلثوم وأحمد رامي ورياض السنباطي، قبل أن يصبح شعره نفسه جزءًا من ذلك العصر الذهبي.

ومن «سموكنج» اضطر للعودة من أجله لتغيير ملابسه، وحجز كاد يمنعه من دخول القاعة، بدأت علاقة انتهت بعملين من أشهر لقاءات الشعر السعودي بالغناء المصري: «ثورة الشك» و«من أجل عينيك».

وهكذا لم تكن الليلة التي كاد عبدالله الفيصل يفقد مقعده فيها مجرد حكاية طريفة من القاهرة القديمة؛ فقد كانت، وفق الرواية التي تركها الأمير عن أول لقاء، بداية صلة فنية عاشت أطول كثيرًا من الحفل نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى