
رحل عن عالمنا اليوم الفنان المصري الكبير عبدالعزيز مخيون، وبقيت أدواره شاهدة على ممثل لم يكن يطارد البطولة بقدر ما كان يفتش عن الإنسان داخل كل قصة.
وتبدو قراءة مسيرة الفنان صاحب الأدوار العميقة من زاوية الغربة والهجرة قراءة مختلفة، فمخيون لم يكن مجرد وجه مألوف في السينما والدراما، بل كان صوتا هادئا يخرج من قلب الريف والمدينة والبيت المصري، محملا بأسئلة القلق والرحيل والبحث عن حياة أكرم.
أبرز هذه المحطات كان فيلم «البر التاني»، الذي يعد من أكثر الأعمال اقترابا من جرح الهجرة، وجسد مخيون في هذا الفيلم شخصية الأب الذي يدفع ثمن حلم ابنه بالسفر، ذلك الحلم الذي يبدأ من قرية فقيرة وينتهي على شاطئ لا يرحم.

لم يكن دوره في الفيلم مجرد أب يبكي ابنه، بل كان صورة لجيل كامل وقف عاجزا أمام سؤال صعب “ماذا يفعل الشاب حين يضيق به الوطن اقتصاديا، فيركب البحر وهو يعرف أن الطريق قد يكون بلا عودة؟”.
في «البر التاني» لم تكن الغربة رفاهية ولا مغامرة رومانسية، بل كانت هروبا من الفقر إلى المجهول، وهنا تحديدا ظهرت قوة عبدالعزيز مخيون. لم يحتج إلى صراخ كثير ليقول إن الأب المصري حين يودع ابنه المسافر لا يودع جسدا فقط، بل يودع قطعة من عمره، وهذا معنى يعرفه ملايين المصريين في الخليج، حتى وإن كان سفرهم نظاميا وآمنا، فالغربة في النهاية تبدأ من لحظة إغلاق باب البيت خلف المسافر.
وفي فيلم «الهروب»، قدم مخيون وجها آخر لفكرة الرحيل، لا بوصفه سفرا إلى الخارج، بل كاغتراب داخل الوطن، شخصية الضابط سالم زيدان التي قدمها أمام أحمد زكي كانت جزءا من عالم يطارد رجلا هاربا من مصيره، بينما تكشف الحكاية عن وطن واسع لكنه أحيانا يضيق بأبنائه، وهنا لا توجد طائرة ولا مركب هجرة، لكن يوجد إحساس دائم بالمطاردة والاقتلاع، وهو أحد أشكال الغربة القاسية.

أما في تجربته مع يوسف شاهين، خاصة «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية»، فقد كان مخيون جزءا من سينما مشغولة بسؤال الهوية والرحيل والحلم بالخارج.
عالم شاهين كله كان قائما على التوتر بين هنا وهناك، بين الإسكندرية والعالم، بين البيت والمنفى، بين الحلم الشخصي والواقع العام، ومشاركة مخيون في هذه الأعمال منحته مبكرا مكانا داخل سينما لا ترى السفر مجرد انتقال جغرافي، بل امتحانا للروح.

حتى في أدواره البعيدة ظاهريا عن فكرة السفر، ظل مخيون ممثلا للاغتراب الإنساني، في «الجوع» و«دكان شحاتة» و«دم الغزال» وغيرها من الأعمال، كان حاضرا داخل شخصيات تعيش أزمة انتماء أو صراعا مع مجتمع يضغط على أفراده حتى يشعروا بأنهم غرباء في بيوتهم.
كان عبد العزيز مخيون ابن المسرح والريف والثقافة المصرية الجادة، ذهب إلى الفن كمن يذهب إلى مسؤولية لا إلى شهرة عابرة، لذلك حين نقلب اليوم في أدواره، نجد أن ما يبقى ليس عدد الأعمال فقط، بل ذلك الخيط الإنساني الرفيع الذي يربط الأب بابنه المسافر، والإنسان بجذوره، والمواطن بوطنه.

سبب وفاة عبدالعزيز مخيون
وقد تعرض الفنان عبد العزيز مخيون فى أيامه الأخير الى أزمة صحية شديدة نقل على أثرها إلى المستشفى، ليكتشف الأطباء معاناته من التهاب رئوي مصحوب بضيق في التنفس، ليبقى تحت الملاحظة الطبية لمتابعة حالته، لتتحول صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى رسائل للدعاء له بالشفاء.
أوضحت الأسرة، أن صلاة الجنازة وتشييع الجثمان سيجريان عقب صلاة العصر اليوم الأربعاء بالمسجد الكبير بقرية زكي أفندي القبلية التابعة لمركز أبوحمص بمحافظة البحيرة، على أن يتلقى أفراد الأسرة واجب العزاء بالقرية.
اللحظات الأخيرة فى حياة الفنان عبدالعزيز مخيون
أفادت تقارير صحفية بأن الأيام الأخيرة في حياة الفنان عبد العزيز مخيون شهدت تدهورا صحيا واضحا، بعدما تعرض لوعكة شديدة استدعت نقله إلى أحد مستشفيات الإسكندرية، حيث تم حجزه داخل العناية المركزة لتلقي الرعاية الطبية اللازمة.
وبحسب ما أعلنته أسرته، جاءت الوفاة صباح اليوم الأربعاء 10 يونيو 2026، على أن تقام صلاة الجنازة عقب صلاة العصر في المسجد الكبير بقرية زكي أفندي القبلية التابعة لمركز أبو حمص بمحافظة البحيرة، مسقط رأسه.
ولم تكشف الأسرة، حتى الآن، تفاصيل دقيقة عن اللحظات الأخيرة قبل الوفاة.
أما عن تاريخه المرضي القريب، فقد مر مخيون بأكثر من أزمة صحية خلال الشهور الأخيرة، إذ ذكرت تقارير في يناير 2026 أنه خضع لعملية جراحية دقيقة في المخ قبل تحسن حالته آنذاك، بينما تعرض قبل وفاته بأيام لوعكة جديدة وصفتها مصادر إعلامية بأنها التهاب رئوي مصحوب بضيق حاد في التنفس.
ومع تقدمه في العمر، إذ بلغ نحو 80 عاما، تكررت الوعكات الصحية التي أبعدته نسبيا عن الظهور العام، قبل أن تنتهي رحلته الفنية والإنسانية اليوم.





