مصريون في ذاكرة الخليج| «أستاذ مصري أنقذ حلم تلميذه الكويتي».. حكاية لا تُنسى بين زكي طليمات وجاسم النبهان

لم تكن كل اللحظات التي صنعت تاريخ المسرح الخليجي على خشبة المسرح، فبعضها جرى بعيدًا عن الأضواء، داخل بيوت بسيطة وبين أستاذ آمن بموهبة تلميذه وشاب وجد نفسه مضطرًا للاختيار بين شغفه بالفن ومتطلبات الحياة.

في واحدة من الحكايات الإنسانية التي احتفظ بها الفنان الكويتي جاسم النبهان في ذاكرته، يظهر اسم رائد المسرح المصري زكي طليمات، لا بوصفه مخرجًا أو معلمًا فحسب، وإنما أستاذًا لم يكتف بانتظار تلميذه الغائب، بل ذهب بنفسه إلى منزله بحثًا عنه.

واقعة رواها النبهان في حوار نشرته صحيفة «الجريدة» الكويتية في 5 سبتمبر 2008، وكشفت جانبًا من العلاقة التي جمعت أحد أبرز رواد المسرح المصري بجيل من الفنانين الذين شاركوا في صناعة النهضة المسرحية بالكويت.

1280x960 1

شهر من الغياب.. وأستاذ يبحث عن تلميذه

كان جاسم النبهان في بدايات مشواره الفني عندما انقطع عن المسرح لمدة شهر كامل، في وقت كان زكي طليمات يعمل على اكتشاف المواهب الشابة وتدريبها، ويضع آمالًا كبيرة على عدد من تلاميذه.

لم يكن غياب النبهان بسبب فقدان شغفه بالتمثيل أو رغبته في الابتعاد عن الفن، وإنما نتيجة ظروف معيشية دفعته إلى البحث عن وظيفة يستطيع من خلالها توفير احتياجات زوجته وأسرته.

وبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عنه أو اعتبار غيابه انسحابًا من المسرح، قرر طليمات الذهاب إلى منزله بنفسه.

لم يجد الأستاذ المصري تلميذه في البيت، لكنه ترك وراءه رسالة غير مباشرة حملتها والدة النبهان إلى ابنها فور عودته، حين أخبرته أن زكي طليمات جاء يبحث عنه.

وما إن عرف النبهان بالأمر حتى توجه لمقابلة أستاذه.

مصريون في ذاكرة الخليج.. عتاب لم ينسه جاسم النبهان

لم تبدأ المقابلة بقرار عقابي، وإنما بعتاب من أستاذ كان يرى في تلميذه مشروع فنان يستحق الاستمرار.

واستعاد النبهان في حواره مع «الجريدة» كلمات طليمات، الذي أخبره بأنه يعلق عليه آمالًا كبيرة، ويرى فيه فنانًا مجتهدًا، ولا يريد أن ينقطع عن المسرح.

عندها شرح التلميذ ظروفه، مؤكدًا أنه اضطر إلى الابتعاد بحثًا عن عمل يوفر له ولزوجته وأسرته مصدرًا للرزق.

لم ينس النبهان هذا الموقف، وظل يستحضره كلما تحدث عن بداياته الفنية وعن الأشخاص الذين تركوا أثرًا في حياته.

ووصف طليمات بأنه مثله الأعلى في التفاني والعطاء، مشيرًا إلى أنه تعلم منه الكثير، سواء في العمل المسرحي أو في التعامل مع الآخرين.

زكي طليمات.. المصري الذي ساهم في تأسيس المسرح الكويتي الحديث

لم تكن زيارة منزل جاسم النبهان موقفًا منفصلًا عن الدور الكبير الذي أداه زكي طليمات في الكويت، فقد ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ المسرح الكويتي.

تعود بداية مهمته إلى عام 1958، عندما استُقدم إلى الكويت لدراسة واقع النشاط المسرحي وسبل تطويره، قبل أن يعود عام 1961 للمشاركة في تنفيذ مشروع تأسيس حركة مسرحية منظمة تستند إلى التدريب والدراسة.

ووفقًا لدراسة تاريخية نشرها الباحث سيد علي إسماعيل في جريدة «مسرحنا» المصرية، صدر قرار إنشاء فرقة المسرح العربي في 10 أكتوبر 1961، ثم بدأت عملية اختيار المواهب الشابة وتأهيلها للعمل المسرحي.

كما ارتبط اسم طليمات بتأسيس معهد الدراسات المسرحية، الذي أسهم في نقل الخبرات الفنية إلى أجيال جديدة من الممثلين الكويتيين.

وتؤكد الهيئة العربية للمسرح أن هذه المرحلة شكلت تحولًا مهمًا في تاريخ الحركة المسرحية الكويتية، خصوصًا مع الانتقال إلى العمل المسرحي المنظم، وفتح المجال أمام مشاركة المرأة الكويتية على خشبة المسرح.

ولذلك لم يكن طليمات مجرد فنان مصري يعمل خارج بلاده، بل أحد الأسماء التي ساعدت على إرساء قواعد مهنية وتعليمية للمسرح في الكويت.

لقاء جديد في القاهرة بعد سنوات

لم تنته علاقة التقدير بين الأستاذ وتلميذه عند تلك الزيارة المنزلية.

ففي عام 1976، التقى جاسم النبهان مجددًا بزكي طليمات في القاهرة، داخل مسرح سيد درويش بكلية الفنون الجميلة في الجيزة، وفق ما رواه الفنان الكويتي في الحوار نفسه.

كان النبهان يشارك آنذاك في مسرحية «مغامرة الرأس المملوك» مع فرقة المسرح الشعبي، بحضور مجموعة من الشخصيات الفنية والثقافية المصرية.

وتمنح هذه الواقعة حكاية العلاقة بينهما امتدادًا تاريخيًا؛ فالتلميذ الذي بحث عنه أستاذه يومًا بعدما غاب عن التدريبات، أصبح فنانًا يقدم أعماله أمام جمهور في مصر.

زيارة واحدة تختصر حكاية جيل

تحمل قصة زكي طليمات وجاسم النبهان وجهًا مختلفًا من وجوه التأثير المصري في الحياة الثقافية الخليجية.

فالمساهمة المصرية لم تقتصر على تقديم العروض المسرحية أو تأسيس المؤسسات الفنية، بل امتدت إلى تدريب الموهوبين ومتابعتهم وتشجيعهم على الاستمرار رغم الصعوبات.

ولا يمكن الجزم بأن زيارة طليمات كانت وحدها السبب في استمرار النبهان بمشواره الفني، لكن بقاء تفاصيلها في ذاكرته لعقود يكشف مقدار الأثر الإنساني الذي تركته.

في النهاية، لا تختصر هذه الحكاية تاريخ فنانين كبيرين فقط، بل تستعيد زمنًا كانت فيه علاقة الأستاذ بتلميذه تتجاوز حدود قاعة التدريب.

فأحيانًا لا يحتاج تاريخ الفن إلى عرض استثنائي كي يترك أثره، بل إلى أستاذ يطرق باب تلميذه، لأنه لا يريد لموهبته أن تضيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى