
في 19 يونيو 1961، دخلت الكويت مرحلة جديدة من تاريخها بإعلان الاستقلال وإنهاء اتفاقية الحماية البريطانية، ولم يبق الاحتفال داخل حدود السياسة، بل امتد سريعًا إلى الفن، حيث شارك عدد من كبار نجوم الغناء العرب في تقديم أعمال ارتبطت بالكويت ومرحلتها الجديدة.
ومن بين تلك الأصوات جاءت الفنانة المصرية ليلى مراد، التي كانت قد ابتعدت عن السينما والأضواء لسنوات، لتسجل أغنية خاصة لإذاعة الكويت حملت عنوان «طير على الكويت»، في واحدة من التسجيلات النادرة المرتبطة بسنواتها الأخيرة كمطربة.
ليلى مراد تغني للكويت
تذكر الوثائق الصحفية المحفوظة في أرشيف «الأهرام» أن ليلى مراد قدمت «طير على الكويت» بمناسبة استقلال البلاد، فيما وضع ألحانها الموسيقار رؤوف ذهني، أحد الملحنين الذين جمعهم بها تعاون فني سابق.
وجاء التسجيل في مرحلة مختلفة من مسيرة ليلى مراد، التي كانت قد أنهت مشوارها السينمائي في منتصف خمسينيات القرن الماضي، بعدما أصبحت خلال الأربعينيات والخمسينيات واحدة من أشهر نجمات السينما والغناء في العالم العربي.
ورغم ابتعادها عن الشاشة، لم ينقطع صوت ليلى مراد تمامًا عن التسجيلات والإذاعة، وظلت تقدم من حين إلى آخر أعمالًا محدودة، وهو ما منح أغنيتها للكويت قيمة إضافية داخل أرشيفها الفني.
من القاهرة إلى إذاعة الكويت
كانت إذاعة الكويت بدورها تعيش مرحلة من التوسع والتطور خلال تلك الفترة.
فقد انطلق البث الرسمي في 12 مايو 1951 بعبارة «هنا الكويت»، ثم توسعت ساعات الإرسال والبرامج تدريجيًا، لتصبح الإذاعة مع اقتراب الاستقلال واحدة من أهم المؤسسات الثقافية والإعلامية في الدولة.
وفي تلك المرحلة لم تعد علاقة إذاعة الكويت بالأغنية المصرية مقتصرة على بث الأعمال التي حققت نجاحًا في القاهرة، بل بدأت في المشاركة في إنتاج وتسجيل أعمال صنعت خصيصًا لجمهورها.
وأصبح من الممكن أن يسجل أحد كبار مطربي مصر أغنية في القاهرة، بينما يكون المستمع الكويتي هو الجمهور المقصود بها منذ اللحظة الأولى.
وكانت أغنية ليلى مراد جزءًا من هذا التحول.
نجوم مصر يغنون للكويت
لم تكن ليلى مراد وحدها حاضرة في الذاكرة الغنائية المرتبطة بالكويت، فقد شهدت الستينيات وما تلاها تعاونًا واسعًا بين الإذاعة الكويتية ونجوم الغناء والتلحين في مصر.
وسجل عدد من كبار المطربين أعمالًا للكويت أو لإذاعتها، كما شارك ملحنون مصريون بارزون في تقديم أغانٍ أصبحت لاحقًا جزءًا من الأرشيف الفني الكويتي.
وضمت تلك الحركة أسماء من أجيال مختلفة، من بينها شادية ونجاة وفايزة أحمد ومحمد عبدالمطلب ومحمد قنديل وهدى سلطان ومحرم فؤاد، إلى جانب ملحنين من أمثال محمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي وسيد مكاوي ورؤوف ذهني.
ومع اتساع التعاون، أصبحت الكويت واحدة من المحطات المهمة للفنانين المصريين، سواء من خلال الحفلات أو التسجيلات الإذاعية أو الأعمال التي أُنتجت خصيصًا للمناسبات الوطنية.
تسجيلات نادرة لليلى مراد في الكويت
وتشير شهادات مرتبطة بأرشيف الفنانة إلى وجود تسجيلات نادرة لليلى مراد لدى إذاعة الكويت، ما يعكس أن العلاقة لم تكن مقتصرة على تسجيل عابر.
وفي عام 2014، تحدثت الكاتبة حنان مفيد فوزي عن وجود تسجيلات نادرة للفنانة في أرشيف الإذاعة الكويتية، وهو ما أعاد الاهتمام بجانب أقل شهرة من مسيرتها بعد ابتعادها عن السينما.
وأصبح الأرشيف الإذاعي الكويتي مع مرور السنوات مستودعًا لعدد كبير من التسجيلات العربية النادرة، بعدما استضاف وسجل أعمالًا لعدد كبير من المطربين والموسيقيين والمثقفين.
«طير على الكويت».. أغنية تحمل ذاكرة زمن كامل
ربما لا تحظى «طير على الكويت» بالشهرة نفسها التي نالتها أغنيات ليلى مراد السينمائية والعاطفية، لكنها تحمل قيمة تاريخية تتجاوز انتشارها الجماهيري.
فالأغنية تربط بين نجمة مصرية كانت قد اختارت حياة بعيدة عن صخب السينما، ودولة عربية كانت تبدأ مرحلة الاستقلال وبناء مؤسساتها الحديثة.
كما أنها توثق مرحلة بدأت فيها الإذاعات الخليجية في التحول من مجرد منصات لبث الإنتاج الغنائي العربي إلى مؤسسات تنتج أعمالها الخاصة وتتعاون مباشرة مع كبار النجوم والملحنين.
وهكذا دخل استقلال الكويت إلى السيرة الفنية لليلى مراد من باب غير متوقع، ليترك في أرشيفها أغنية تحمل اسم الكويت، وفي أرشيف الكويت صوتًا ينتمي إلى أحد أهم العصور الذهبية للغناء والسينما المصرية.





