
لم تكن علاقة عبدالحليم حافظ بالكويت مجرد سلسلة من الحفلات التي أحياها مطرب مصري خارج بلاده، بل تحولت على مدار نحو عقد ونصف إلى فصل خاص في مسيرته، جمع بين الأغنية الوطنية المصرية الصنع، والأغنية باللهجة الكويتية، والتصوير لتلفزيون الكويت، وصولًا إلى تسجيلات ظلت محفوظة في الأرشيف عقودًا بعد رحيله.
وتكشف العودة إلى أرشيف «الأهرام» والمصادر الثقافية الكويتية أن هذه العلاقة بدأت في عام 1956، ثم بلغت واحدة من أهم محطاتها مع أغنية «من الجهرة للسالمية» عام 1963، قبل أن تتوسع خلال الستينيات بأعمال صوّرها العندليب خصيصًا في الكويت.
- حين غنى عبدالحليم للكويت بلسان أهلها
1956.. حرب السويس تقود عبدالحليم إلى الكويت
بحسب توثيق «الأهرام»، جاءت أول زيارة لعبدالحليم حافظ إلى الكويت عام 1956 في ظروف لم تكن مخططة على الصورة التقليدية؛ إذ كان موجودًا في بيروت عندما اندلعت حرب السويس، أو ما عُرف في مصر بالعدوان الثلاثي وحرب بورسعيد، وتعذر عليه العودة إلى القاهرة بعد إغلاق المطار، فاتجه إلى الكويت، حيث فوجئ باستقبال جماهيري حافل، وظل هناك إلى أن أصبح بإمكانه العودة إلى مصر.
وهكذا بدأت علاقة العندليب بالكويت قبل استقلال الدولة نفسها بخمس سنوات تقريبًا؛ فقد حصلت الكويت على استقلالها في 19 يونيو 1961، وهو التاريخ الذي أنهى اتفاق الحماية البريطانية وأعلن قيام الدولة المستقلة.
1963.. «من الجهرة للسالمية» تدخل التاريخ
بعد الاستقلال، أصبحت المناسبات الوطنية الكويتية مساحة مهمة لحضور نجوم الغناء العرب، وكان عبدالحليم واحدًا من أبرز المشاركين.
وفي عام 1963 قدم أغنية «من الجهرة للسالمية»، من كلمات الشاعر المصري محمد حمزة وألحان الموسيقار المصري كمال الطويل. وتؤكد مصادر «الأهرام» أن العمل جاء ضمن الأغنيات الوطنية التي قدمها حليم للكويت.
واختيار «الجهرة» و«السالمية» لم يكن تفصيلًا عابرًا؛ فالأغنية وضعت أسماء مناطق كويتية في واجهة عمل يؤديه أحد أشهر أصوات مصر والوطن العربي، وتحول مطلعها إلى احتفاء مباشر بالكويت وعلمها وحريتها.
وتزداد أهمية توقيت الأغنية إذا وُضع عام 1963 في سياقه الكويتي؛ فقد كانت الدولة قد دخلت لتوها المرحلة الدستورية، وصدر الدستور في 11 نوفمبر 1962، وأجريت أول انتخابات برلمانية في يناير 1963، ثم انضمت الكويت إلى الأمم المتحدة في 14 مايو 1963 لتصبح العضو رقم 111.
ومن المهم هنا التفريق بين الحدث التاريخي وسبب إنتاج الأغنية: المصادر توثق صدور «من الجهرة للسالمية» عام 1963 ضمن أغنيات عبدالحليم الوطنية للكويت، لكن لا توجد في المصادر التي راجعتها إشارة كافية تسمح بالجزم بأنها صنعت تحديدًا للاحتفال بعضوية الأمم المتحدة.

العيد الوطني وقتها لم يكن في 25 فبراير
وهناك تفصيلة تاريخية تضيف دقة إلى قصة الأغنية؛ فالاحتفال بالعيد الوطني الكويتي لم يكن قد استقر بعد في 25 فبراير بالصورة المعروفة اليوم.
أقيم أول احتفال بالعيد الوطني في 19 يونيو 1962، واستمرت الاحتفالات في يونيو خلال السنوات التالية، قبل صدور مرسوم في 18 مايو 1964 بدمج العيد الوطني مع ذكرى تولي الشيخ عبدالله السالم الصباح الحكم، لتبدأ الاحتفالات في 25 فبراير اعتبارًا من عام 1965.
وهذا يعني أن أغنية عبدالحليم في 1963 تنتمي إلى السنوات الأولى جدًا من الاحتفال بالدولة الكويتية المستقلة.
لم يكتف بالجغرافيا.. عبدالحليم يغني باللهجة الكويتية
العلاقة تجاوزت الأغنيات الوطنية المكتوبة باللهجة المصرية. فقد خاض عبدالحليم تجربة مختلفة بتقديم أغنيات باللهجة الكويتية، وهي تجربة تصفها المصادر المصرية والكويتية بأنها فريدة في مسيرته.
ومن أشهر هذه الأعمال «يا هلي»، من كلمات الشاعر الكويتي وليد جعفر وألحان عبدالحميد السيد، و«عيني ضناها السهر» من كلمات عبدالمحسن الرفاعي وألحان سعود الراشد، إلى جانب «يا فرحة السمار» المرتبطة بالشاعر أحمد العدواني والملحن حمد الرجيب.
وتوثق صحيفة «الأنباء» الكويتية أن عبدالحليم غنى «يا هلي» خلال زيارته للكويت في عام 1965، وأن الهدف من المشروع كان المساهمة في نشر الأغنية الكويتية خارج حدودها.
1965.. العندليب بالدشداشة والغترة والعقال
لم تكن التجربة صوتية فقط؛ فقد صوّر عبدالحليم بعض أعماله لتلفزيون الكويت، وظهر في «يا هلي» مرتديًا الدشداشة والغترة والعقال، في واحدة من أشهر صوره المرتبطة بالخليج.
ويؤكد مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي أن «يا هلي» صُورت لتلفزيون الكويت عام 1965، بينما تسجل روايات كويتية من العاملين في التلفزيون تفاصيل مشاركة المخرج الكويتي خالد الصديق في تصوير عدد من هذه الأعمال.
وهنا تبدو علاقة حليم بالكويت أعمق من مجرد تقديم أغنية عن بلد عربي؛ فقد دخل إلى مفردات الأغنية المحلية ولهجتها وصورتها البصرية، وهو ما جعل تلك التسجيلات جزءًا من الذاكرة التلفزيونية الكويتية نفسها.
يوسف شاهين وعبدالحليم.. لقاء نادر على أرض الكويت
ومن المفاجآت في هذه الرحلة أن الكويت شهدت تعاونًا نادرًا بين عبدالحليم حافظ والمخرج المصري يوسف شاهين.
وتشير مواد مركز الشيخ جابر الثقافي إلى أن عبدالحليم صوّر في الكويت أغنية «بلاش عتاب» عام 1965، وأخرج العمل يوسف شاهين بمشاركة المخرج الكويتي خالد الصديق، وظهرت فيه الفنانة الكويتية عائشة إبراهيم.
والأكثر إثارة أن هذا التصوير سبق ظهور الأغنية داخل فيلم «معبودة الجماهير» الذي عُرض عام 1967، أي أن الجمهور الكويتي كان أمام نسخة مصورة من العمل قبل وصول الفيلم إلى دور العرض بنحو عامين.
كما تشير المادة التوثيقية لمركز الشيخ جابر إلى تصوير «خايف مرة أحب» لتلفزيون الكويت في شوارع مدينة الكويت عام 1966، وهي أغنية كان حليم قد قدمها سينمائيًا في فيلم «يوم من عمري».
من المصريين إلى الكويتيين.. مشروع فني مشترك
وتكشف قائمة الأعمال أن علاقة عبدالحليم بالكويت سارت في اتجاهين متوازيين.
في اتجاه أول، كان هناك فريق مصري يقدم أغنيات وطنية للكويت؛ محمد حمزة يكتب وكمال الطويل يلحن وعبدالحليم يغني، كما حدث في «من الجهرة للسالمية».
وفي الاتجاه الثاني، كان حليم نفسه يتحول إلى صوت لكلمات وألحان كويتية، فيغني لوليد جعفر وعبدالمحسن الرفاعي وأحمد العدواني وعبدالحميد السيد وسعود الراشد وحمد الرجيب.
وهذا التبادل هو ما يجعل التجربة أبعد من عنوان «مطرب مصري غنى للكويت»؛ فهي حالة فنية اشترك فيها صناع من البلدين.
1970.. آخر رسائل حليم الغنائية للكويت
استمرت الرحلة حتى عام 1970، حين قدم عبدالحليم أغنية «يا كويت يا حبيبة»، من كلمات الشاعر المصري الكبير مرسي جميل عزيز.
واللافت أن التسجيل لم يصبح متاحًا على نطاق واسع آنذاك، وظل في أرشيف التلفزيون الكويتي سنوات طويلة، قبل أن يعلن «الأهرام» في 31 مارس 2017 أن التلفزيون الكويتي أفرج عنه، بالتزامن تقريبًا مع مرور 40 عامًا على رحيل عبدالحليم في مارس 1977.
وهكذا ظل أرشيف الكويت يحمل مفاجأة فنية لصوت عبدالحليم حتى بعد رحيله بأربعة عقود.
1977.. الكويت تروي قصة حياته بعد رحيله
حتى بعد وفاة عبدالحليم حافظ، التي وقعت في 30 مارس 1977، لم تنته العلاقة.
ففي العام نفسه أنتجت إذاعة الكويت مسلسلًا إذاعيًا عن حياته بعنوان «مشوار المجد والعذاب»، من تأليف السيد الشوربجي وإخراج مهند الأنصاري، وجسد سمير حسني شخصية العندليب، بمشاركة عدد من نجوم الدراما المصرية.
الأمر لم يعد إذن مجرد تسجيل حفلة أو أغنية؛ فالكويت شاركت كذلك في حفظ سيرة المطرب وتحويلها إلى عمل درامي بعد رحيله.
من الجهرة إلى السالمية.. أسماء الكويت بصوت مصر
بين 1956 و1970 تقريبًا، تشكل فصل كويتي كامل في حياة عبدالحليم حافظ: زيارة بدأت على خلفية حرب السويس، ثم أغنيات للاستقلال والمناسبات الوطنية، وأعمال بأسماء مناطق الكويت، وتجربة باللهجة المحلية، وتسجيلات تلفزيونية بالدشداشة والغترة والعقال، وتعاون مع مبدعين مصريين وكويتيين.
ولهذا تبدو «من الجهرة للسالمية» أكثر من مجرد أغنية وطنية قديمة؛ فهي وثيقة من زمن كانت فيه الأغنية إحدى وسائل التواصل الثقافي الأقوى بين مصر والخليج.
وبعد أكثر من ستة عقود على تسجيلها في 1963، ما زال مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي في الكويت يضع أغنيات عبدالحليم الكويتية ضمن الذاكرة الغنائية للبلاد، بل أعاد تقديم هذا التراث في فعاليات حديثة، ومنها حفل «أغنيات للكويت» في 30 أغسطس 2026.
ومن هنا يمكن القول إن عبدالحليم لم يزر الكويت ويغادرها فقط؛ لقد ترك فيها جزءًا من صوته، وأخذ معه إلى الأغنية العربية أسماءً مثل الجهرة والسالمية، حتى أصبحت الجغرافيا الكويتية نفسها جزءًا من ذاكرة صوتية مصرية عربية مشتركة





